منتدى البينة الاسلامي
السلام عليكم
أهلا بك أيها الزائر الكريم في منتدى البينة الاسلامي
نتمنى ان تكون في تمام الصحة والعافية
معنا تقضي اطيب الاوقات باذن الله
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» حيوانات العالم
الثلاثاء 3 يوليو 2018 - 8:11 من طرف Admin

» ودخلت العشر الأخيرة من رمضان
الإثنين 2 يوليو 2018 - 5:16 من طرف Admin

» أعمال العشر الأواخر من رمضان
الإثنين 2 يوليو 2018 - 5:10 من طرف Admin

» ارالة الشعر بالليز
الجمعة 30 مارس 2018 - 16:35 من طرف Admin

» Camtasia Studio 9.1.2 برنامج تصوير الشاشة فيديو وعمل الشروحات
الثلاثاء 27 مارس 2018 - 12:01 من طرف Admin

» برنامج Photoshine
السبت 24 مارس 2018 - 15:46 من طرف Admin

» حمود الخضر - أغنية كن أنت
الجمعة 23 مارس 2018 - 15:34 من طرف Admin

» هل الشاي مسموم بالمبيدات؟
الجمعة 23 مارس 2018 - 15:31 من طرف Admin

» عودة عيسى عليه السلام
الجمعة 23 مارس 2018 - 15:28 من طرف Admin

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط البينة على موقع حفض الصفحات

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتدى البينة الاسلامي على موقع حفض الصفحات

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 


.facebook
مشاركة
اوقات الصلاة بالرباط
لعبة الصور المتشابهة

هكذا تُشوّه صورة الإسلام

اذهب الى الأسفل

هكذا تُشوّه صورة الإسلام

مُساهمة من طرف سارة في الثلاثاء 24 أغسطس 2010 - 10:49

هكذا تُشوّه صورة المرأة في الإسلام

هناك كثير مِنْ غير المسلمين يَحملُون صُورة مُشَوَّهة عن الإسلام ، وذلك مِمَّا يسمعونه من وسائل الإعلام الغربيَّة أو مِمَّا يُشاهدونه من تصرُّفات بعض المسلمين الغير ملتزمين بدينهم .

وهؤلاء لا يُعتَبرُون حاقدين على الإسلام ، لأنَّهم ما أن تُصحَّح لهم الصُّورة في ذهنهم حتَّى يُصبِحُوا مُتعاطفين مع هذا الدّين .

لكن ، على عكس هؤلاء ، هناك مِنْ غير المسلمين مَن يَسْعَون جاهدين ليلَ نهار إلى تشويه صورة الإسلام ، قَصْدَ إبعاد النَّاس عنه ، وذلك بترويج أفكار مغلوطة ، يُدعّمونها بِمَقاطِع من أحاديث نبويَّة وأجزاء من آيات قرآنيّة ، يَضعونها في غير مواضعها .

والبابُ الكبير الذي يدخلُون منه عادةً هو طبعًا : باب المرأة ، وسنرى في العناصر القادمة بعض الأمثلة لذلك . (يتبع ...)


2- الرّجال قوّامون على النّساء !


يروّج بعض النّاس أنّ الإسلام يعتبر الرّجلَ أرفع وأسمَى في الإنسانيّة من المرأة ، وأنّه يُبيح للزّوج أن يضرب زوجته ! ويستشهدون على ذلك بأنّ الله تعالى يقول في القرآن الكريم : { الرّجالُ قَوَّامُونَ على النّساء } ، ويقول : { ولِلرِّجال علَيْهنَّ دَرَجَة } ، ويقول : { واضربُوهُنَّ } !

وللرَّدّ على هؤلاء ، سنعود إلى الآيات كاملة في القرآن ، لِنَفْهم منها كلَّ شيء .

يقول الله تعالى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ 228 } (2- البقرة 228) .

فبَعْد أن تحدَّث الله تعالى في هذه الآية عن بعض أحكام الطَّلاق ، انتقلَ للحديث عن الحقوق والواجبات بين الزَّوجين فقال : { ولَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعْرُوف } .

قال ابنُ كثير : أي ولِلنَّساء مِن الحقُوق على الرّجال مثل ما لِلرّجال عليهنَّ من الحقُوق ، فلْيُؤدّ كلُّ واحد منهما إلى الآخر حقَّه بالمعروف .

وروى البيهقي في سُنَنه عن ابن عبَّاس رضي الله عنه (ابن عمّ النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم) ، أنَّه (أي ابنُ عبَّاس) قال : إنّي لأحِبُّ أن أتَزَيَّن للمرأة (أي لزوجتي) كمَا أحِبُّ أن تتزَيَّنَ لي ، لأنَّ الله عَزَّ وجلَّ يقول : { ولَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعْرُوف } . (سنن البيهقي الكبرى - الجزء 7 - ص 295 - رقم الحديث 14505) .

ليس في هذا الكلام إذًا أيُّ امتهان للمرأة ! بالعكس ، فيه دفاعٌ عنها ، وإعلانٌ صريحٌ بأنَّ لها حقوقًا على زوجها ، عليه أن يُؤدّيها لها .

فهل يُوجد مثلُ هذا الإعلان في توراة اليهود أو أناجيل المسيحيّين ؟!

ثمَّ قال تعالى بعد ذلك : { ولِلرِّجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة } . وليس المقصُود بهذه الدَّرجة أنَّ الرَّجلَ أرفع في الإنسانيَّة من المرأة ، وإنَّما المقصُود أنَّ الزَّوج أثقل في المسؤوليَّة والتَّكاليف من زوجَته ، وذلك بِحُكْم تَركيبته الجسديَّة والنَّفسيَّة .

فهو مُطالَبٌ شرْعًا بالإنفاق على البيت، وبأداء الصَّلوات المفروضة في المسجد، وبأداء صلاة الجمُعة، وبالخروج للقتال وقت الحرب ، ولَيست الزَّوجةُ مُلْزَمة بأيّ شيء من ذلك .

فهذه الدَّرجة هي إذًا توزيعٌ في المَهامّ بين الزَّوجَيْن ، مع زيادة تكليفٍ لِلرَّجُل . وليس في ذلك تفضيلٌ له أو احتقارٌ للمرأة .

وبِمَا أنَّ اللهَ تعالى هو الذي وضعَ هذا التَّقسيم في المسؤوليَّات ، فلا يجبُ الاعتراض على حُكمه ، لأنَّه لا يحكُم إلاَّ بما فيه مصلحة لنا . لهذا قال تعالى بعد ذلك : { وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

بل لا يجوز أيضًا أن تتمنَّى المرأةُ ما قسَمَه اللهُ للرَّجُل ، أو يتمنَّى الرَّجُلُ ما قسَمَه الله للمرأة .

يقول تعالى في آية أخرى : { وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا 32 } (4- النّساء 32) .
هذا بخصُوص الدَّرجة .

أمَّا بخصُوص القوامة والضَّرب ، فيقول الله تعالى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا 34 } (4- النّساء 34) .

ذكَر الله تعالى في بداية هذه الآية أنَّ الرّجالَ قَوَّامون على النّساء بِمَا فضَّل اللهُ بعضَهُم على بعض وبِمَا أنفقُوا من أموالهم .

وقَوامةُ الرَّجُل على المرأة هنا تَعني أنَّ الزَّوجَ هو المطالَب شرعًا بتقديم المهْر لزوجته عند عَقْده عليها، ثمَّ بتوفير كلّ ما تحتاجُه هذه الزَّوجة من مَسكن ومأكل ومشرب وملبس وتنقُّلات وأدوية ورعاية . فهو القائمُ على خدمتها والسَّاهر على راحتها ، تَمامًا مثلما ترعَى الأمُّ ولدَها وتقوم على شؤونه .

والقوامةُ هي نِتاجٌ طبيعي للدَّرجة التي فَضَّل اللهُ بها الزَّوجَ على زوجته . فهو قوَّامٌ عليها لأنَّ واجباته نحوها أثقل . بل إنَّ الإسلام يفرضُ عليه الإنفاق عليها حتَّى ولو كانت هي تَعمل أو ورثَت مالاً من أبويها ، وليس له الحقّ أن يأخذ درهمًا واحدًا من مالِهَا بدون رضاها .

نعم ، هذه هي القَوامة التي أراد بعضُ النَّاس أن يُشوّهُوا بها صورة الإسلام ، والتي هي في الحقيقة ضمانٌ مادّي ومعنوي للمرأة ، حيثُ أنَّها تنتقل من كفالة والدَيْها إلى كفالة زوجها ، دون أن تحتاج إلى أن تُرهِقَ ذِهْنَها بالتَّفكير في المسكن والشّغل والإنفاق على الأسرة .

نعود للآية الكريمة ، فبَعْد الحديث عن القوامة انتقلَ الله تعالى للحديث عن كيفيَّة حلّ الخلافات الزَّوجيَّة فقال : { واللاّتي تَخافُون نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ } ، أي إذا رأى الزَّوجُ من زوجته عِصيانًا لأوامره المشروعة، فأوَّل ما يفعلُه هو أن يَعظها بكتاب الله وأحاديث رسوله ، ويُذكّرها بِحُقوقه عليها .

فإذا لَم يُجْدِ ذلك نفعًا ، فإنَّه ينتقلُ إلى الهجْرَان ، قال تعالى : { واهْجُرُوهُنَّ في المضَاجِع } . وقد ذكَر الطَّبري في تفسيره أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنه قال : الهجْران هو أن يكُونَ الرَّجلُ وامرأته على فِراش واحد ، لا يُجامعُها .

فإذا تَمادت الزَّوجة في عصيانها ، فإنَّ لِزَوجها الحقّ أن ينتقلَ إلى الضَّرب ، قال تعالى : { واضْربُوهُنّ } .

وهنا لا بُدَّ من الانتباه ! قال القُرطبي في تفسيره : الضَّربُ هو ضربُ التَّأديب غير المبرّح . فإنَّ المقصود منه الإصلاح لا غير ، كما يَضربُ المؤدّبُ غلامَه عند تعليمه لِلْقرآن .

وحتَّى لا يُفْهم الضَّربُ فهمًا خاطِئًا ، أوصَى النَّبيُّ محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم في العديد من الأحاديث بِحُسْن معاملة الزَّوج لزوجته .

فقد روى البيهقي في سُنَنه عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : أيَضْربُ أحدُكُم امْرَأتَهُ كَما يَضْربُ العَبْدَ ، ثُمَّ يُجامِعُها في آخر اليَوم ؟! (سنن البيهقي الكبرى - الجزء 7 - ص 305 - رقم الحديث 14557) .

وروى النّسائي في السُّنن الكبرى عن حكيم بن معاوية عن أبيه رضي الله عنه ، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سأله رجلٌ : ما حقُّ المرأة على زَوجها ؟ قالَ : تُطعِمُها إذا طعِمْت وتكْسُوها إذا اكتسَيْت ، ولا تَضْرب الوَجْه ، ولا تُقَبّح (قال أبو داود في سُننه : أي لا تقُل : قَبَّحك الله) ، ولا تَهْجُر إلاَّ في البَيْت . (السّنن الكبرى - الجزء 5 - ص 373 - رقم الحديث 9171) .

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ (وذلك في خطبته الطَّويلة في حجَّة الوداع) : اتَّقُوا الله في النّساء ، فإنَّكُم أخَذْتُموهُنَّ بأمانَة الله ، واستحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَة الله ، ولكُم علَيْهِنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أحدًا تَكْرهُونه (وليس المراد هنا الزّنا لأنَّه حرامٌ ويُوجبُ الحدَّ ، وإنَّما المقصود أن لا يُدخِلْنَ إلى بُيُوتكم أحدًا تَكْرهُونه) ، فإنْ فعَلْنَ ذلكَ فاضْرِبُوهُنَّ ضربًا غَيْر مُبَرّح ، ولَهُنَّ عليكُم رزقُهُنَّ وكسْوَتُهُنَّ بالمعْرُوف . (صحيح مسلم - الجزء 2 - ص 886 - رقم الحديث 1218) .

وقد روى الطَّبري في تَفسيره عن عطاء رضي الله عنه ، قال : قلتُ لابن عبَّاس : ما الضَّربُ غير المبرّح ؟ قال : بالسّواك وما شابَهَه (والسّواكُ هو عودٌ لتنظيف الأسنان ، لا يتجاوز طولُه أصبع اليد) .

نعم ، هذا هو الضَّربُ الذي فَهِمَه الصَّحابةُ من كتاب الله وسُنَّة نبيّه صلَّى الله عليه وسلَّم .

ولو كان الإسلامُ يَقصد فعلاً بضرب الزَّوجة إيذاءَها وإهانَتها والانتقامَ منها ، لَأَمر الزَّوجَ عِوَضًا عن ذلك بتجويع زوجته النَّاشز كَما تُجوَّع الحيوانات ، وفي ذلك تعذيبٌ أكثر لها جسديّا ونفسيّا . ولكن ، حاشى لِلَّه تعالى ولرسوله الكريم أن يأمرَا بهذا الفعل القبيح !

إنَّ الضَّرب الذي أجازهُ الإسلامُ هو ما ذكَره ابنُ عبَّاس : بالسّواك وما شابَهَه . فهو إذًا ضربُ دلالٍ مع شيء من العتاب ! وهو فعلاً أفضل الحلول بعد الموعظة والهجران ، لأنَّه في الغالب يُرقّق قَلْبَ المرأة .

فالزَّوج هنا هو الذي بدأ زوجته بالمداعبة بعد القطيعة ، ومع هذه المداعبَة لومٌ وعتابٌ أنَّها لَم تَلِنْ ولم تَرقّ بالرَّغم من طول هجرانه لها .

فإذا رقَّت الزَّوجةُ واسترضَت زوجها وكَفَّتْ عن عصيانه ، فليس له الحقُّ أن يعُود لهجرانها أو لِضَربها . قال تعالى : { فإنْ أطَعْنَكُم فلاَ تَبْغُوا علَيْهِنَّ سَبيلاً } .

أمَّا إذا لَم تَنفع كلُّ هذه الحلُول في عودة الوئام بين الزَّوجين ، فيَقعُ الالتجاءُ إلى حَكَمٍ مِنْ أهل الزَّوج وحَكَمٍ مِنْ أهل الزَّوجة ، لِمُحاولة الإصلاح بينهما .

يقول تعالى في الآية الموالية : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَا إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا 35 } (4- النّساء 35) .

وقد روى الطَّبري في تفسيره عن محمَّد بن كعب القرظي ، قال : كان عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه يبعثُ الحكَمَيْن ، فيقولُ الحكَمُ من أهلها : يا فُلان ، ما تَنْقم من زوجتك (أي ما تَعيبُ عليها) ؟ فيقول: أَنْقم منها كذا وكذا. فيقولُ : أرأيتَ إن نَزعَتْ عمَّا تكره إلى ما تُحبُّ ، هل أنتَ مُتَّقِي اللهَ فيها ومُعاشرها بالذي يَحقُّ عليكَ في نَفَقَتها وكسْوَتها ؟ فإذا قالَ : نعم ، قالَ الحكَمُ من أهله : يا فُلانة ، ما تَنقمين من زَوجك فلان ؟ فتقولُ مثل ذلك ، فإن قالت : نعم ، جُمِعَ بينهما .
قال عليّ : الحكَمان ، بهما يَجمعُ اللهُ وبهما يُفرّق .

فبالله عليكِ سيّدتي الكريمة ، هل سمعتِ في حياتكِ بنظامٍ أو دينٍ يُقدّس رابطة الأسرة ، مثلما يفعلُ الإسلام ؟!

وَعْظٌ ، ثمَّ هجرانٌ في الفراش ، ثمَّ ضربُ دلال ، ثمَّ وساطة من الأهل ، كلُّ ذلك للمحافظة على بيت الزَّوجيَّة !

واللهِ لن تَجِدي في الأنظمة والدّيانات الأخرى أيّ شيء من هذا ! بل يكفي سيّدتي أن تَطَّلِعي على الإحصائيَّات المُخزِيَة في المجتمعات التي تدَّعي الحضارة والتَّمدُّن ، مِنْ كثرة حالات الطَّلاق ، وكثرة اعتداءات الأزواج على زوجاتهم بالضَّرب ، في أمريكا وإسبانيا وفرنسا وغيرها ، لِتَعلَمي أنَّ المرأة لَم تشعُر حقّا بالكرامة والحرّيَّة والأمن ، إلاَّ في ظلّ التَّشريع الإسلامي .


هكذا تُشوّه صورة الإسلام
3- المرأة نصف الرّجل !

يدَّعي بعضُ النَّاس أنَّ الإسلام يُعامِلُ المرأة على أنَّها نصفُ الرَّجل ! وحُجَّتُهم في ذلك أنَّ اللهَ تعالى قسَّم المواريثَ في القرآن ، فأعطى لِلرَّجل ضعف ما أعطى للمرأة ، وأنَّه أعلنَ في القرآن أيضًا أنَّ شهادة رجُل واحد في المحكمة تُعادِل شهادةَ امرأتين .

لِنَعُدْ إذًا إلى القرآن الكريم ، لِنفهم منه كلّ شيء :
أمَّا عن الميراث ، فيقول الله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 11 } (4- النّساء 11) .

بدأ الله تعالى هذه الآية إذًا بقوله : { يُوصيكُم الله في أولادكُم لِلذَّكَر مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن } ، وهو ما استنتجَ منه بعضُ النَّاس أنَّ الأنثَى ترثُ دائمًا نصفَ الذَّكَر . وهذا غير صحيح ، لأنَّه لو كان الأمرُ كذلك لقال تعالى : يُوصيكُم اللهُ في الميراث لِلذَّكَر مثلُ حَظّ الأُنْثَيَيْن .

ولكنَّه قال : { يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ }. فهذا التَّقسيم يَسْري إذًا في هذه الحالة فقط من الميراث ، وليس في كلّ الحالات .

أي أنَّه عندما يَموتُ الأب ويتركُ بَنينَ وبنات ، فإنَّ كلَّ ذَكَرٍ يكُون نصيبُه من إرث أبيه : ضعْف نصيب كُلّ واحدة من أخواته .

وليس في هذا هضمٌ لِحُقوق البنت ، وإنَّما بالعكس فيه ميزاتٌ لها !

نعم ، فالرَّجل هو المطالَبُ في الإسلام بتقديم المهْر عند الزَّواج ، وبالإنفاق على زوجته وأبنائه بعد ذلك . لذلك ، فهو ، حتَّى وإن أخذَ ضعْفَ نَصيب أخته في الميراث ، إلاَّ أنَّ ما يأخُذه سيصرفُه في مَلازم البيت والأسرة . بينما عندما تأخذُ أختُه نصيبَها في الميراث ، حتَّى وإن كان نصف نَصيب أخيها ، إلاَّ أنَّ ما تأخذُه تَحتفظُ به لنَفسِها ، وليستْ مُلْزَمة بأن تُنفق منه على أحد غيرها ! بل حتَّى زوجها لا يستطيع أن يأخذ منه درهمًا واحدًا إلاَّ بإذنها . أليست الأنثَى إذًا هي الرَّابِحَة في هذه القسمة؟!

أمَّا في الحالات الأخرى من الميراث ، وهي عديدة ، فإنَّ نصيبَ الأنثَى يُمكنُ أن يكون أكثر أو أقلّ من الذَّكَر ، بِحَسَب صِلَة كُلّ منهما بالمتوَفَّى ، وبِحَسَب عدد الورثَة وجِنْسهم .

ليس صحيحًا إذًا أنَّ اللهَ قسَّم المواريثَ ففضَّلَ الرَّجلَ على المرأة، وإنَّما قسَّمها بِحَسب مَقاصد حكيمة، يعجزُ أن يتفطَّن إليها خُبراء العالَم في هذا الميدان ، ولو اجتمعُوا على ذلك .

ننتقل الآن إلى دعْوَى أنَّ شهادة المرأة بنصْف شهادة الرَّجل . يقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ الله وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 282 } (2- البقرة 282) .

فالخلْطُ الذي وقعَ فيه بعضُ النَّاس هو عند قوله تعالى : { فإنْ لَمْ يكُونَا رجُلَيْن فرَجُلٌ وامْرَأتان } ، استنتجَ منه هؤلاء أنَّ شهادة المرأة في المحكمة تُساوي نِصفَ شهادة الرَّجُل ، وبالتَّالي لا بُدَّ من امرأة ثانية تشهدُ معها !

لكنَّ استنتاجَهُم هذا خاطئ تمامًا ! فالآية هنا لا تتحدَّثُ عن الشَّهادة في قضيَّةٍ مَا أمام القاضي ، وإنَّما تتحدَّثُ عن الإشْهاد عند الاستدانة ، أي عندما يُريدُ شخصٌ مَا أن يُقرِضَ شخصًا آخر مبلغًا من المال مثلاً ، فإنَّ الله يُوصيه (أي يُوصِي الدَّائن) ، لكي يَحفظَ حقَّه ويَستوثق من عودة مالِه إليه ، أن يجعلَ وثيقةً بينه وبين الذي سيَقْترضُ المال ، يكتُبها كاتبٌ عادل ، وبحضُور شُهود مِمَّنْ يَرضَى بهم الدَّائنُ ويثقُ بهم : إمَّا رجُلان أو رجلٌ وامرأتان .

فالمرأتان إذًا تُعوّضان الرَّجُلَ الواحدَ كَشاهدتَيْن ، فقط في هذه الحالة الخاصَّة ، وهي كتابة الدَّيْن . وعلَّلَ اللهُ تعالى حضُور امرأتين بَدلَ الرَّجُل الثَّاني ، بقوله : { أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } ، أي ربَّما تَنسَى الأولى بعض التَّفاصيل ، فتُذكّرها الأخرى بها عند الحاجة لذلك .

قال بعضُ العلماء : لِأنَّ المرأة عادةً ليس لها خبرة مثل الرَّجل في مثل هذا النَّوع من المعاملات الماليَّة (الدَّيْن ، والبيع والشّراء) ، بِحُكم أنَّ الرَّجلَ هو الأكثر مُمَارسة لها .

لهذا ، أوصَى اللهُ تعالى صاحبَ المال أن يختار رجُلَيْن مِمَّن يرضَى شهادتَهُما ، لِيَحْضُرا كتابة الدَّيْن . فإن لَمْ يَجِدْ ، فعند ذلكَ يلتجئُ إلى رجُل وامرأتين . هذه هي كلُّ القضيَّة .

أمَّا الشَّهادة في المحكمة ، فلا عِبْرة فيها بِجنْس الشُّهود أو عددهم ، وإنَّما العبرة بِمَن يُقدّم البيّنة والدَّليل لِلوصول إلى الحقيقة . ولذلك يقبلُ القاضي بشهادة المرأة الواحدة ، والرَّجل الواحد ، والمرأة والرَّجل معًا ، بدون تمييز بينهما .

ويكفي أن نستدلَّ على ذلك بالآيات الخاصَّة باللّعان ، عندما يَتَّهِمُ رجلٌ زوجتَه بالزّنا وليس له شهودٌ إلاَّ نفسه . يقول الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 6 وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 7 وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ 8 وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ 9 } (24- النّور 6-9) .

ففي هذه الحالة ، يشهدُ الزَّوجُ إذًا أربعَ شهادات بالله إنَّه لَمِنَ الصَّادقين ، والخامسة أنَّ عليه لعنة الله وسخطه إن كان مِن الكاذبين . ثمَّ يأتي دورُ الزَّوجة ، فإذا أصرَّت أنَّ زوجَها كاذب ، يُطلَبُ منها أن تشهَد أيضًا أربع شهادات بالله إنَّه لَمِنَ الكاذبين ، والخامسة أنَّ عليها لعنة الله وسخطه إن كان زوجها من الصَّادقين ، ثمَّ يُخلَى سبيلُها .

فالزَّوجة تشهد إذًا أمام القاضي نفس عدد شهادات زوجها ، لكي تُبطِلَ دعواهُ ضدَّها . وفي هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ شهادة المرأة أمام القضاء مساوية تمامًا لِشهادة الرَّجل .

بل إنَّ فيه أيضًا ردّا قويّا على كلّ مَن يدَّعي أنَّ الإسلام يضطهدُ المرأة ، لأنَّه لو كان كذلك لاكتفى بشهادة الزَّوج ضدَّ زوجته وأقام عليها الحدّ . ولكنَّها عدالةُ الإسلام التي تُساوي أمام القاضي بين الرَّجل والمرأة ، بين الرَّئيس والمرؤوس ، وبين المسلم وغيره .

أخيرًا ، لو كان الإسلام يعتبرُ المرأة نصف الرَّجل ، لأعطاها فقط نصف جزاء الرَّجل يوم القيامة ! ولكنَّ الله تعالى يقول : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا 124 } (4- النّساء 124) .



4- النّساء ناقصات عقل ودين !


يدَّعي بعضُ النَّاس أنَّ الإسلام يحتقرُ المرأة ويعتبرُها ناقصة عقل ، وبالتَّالي لا ينبغي استشارتها في أيّ أمر من الأمور ، أو تَوْلِيتها أيّ مَنْصب من المناصب ! وحُجَّتُهم في ذلك أنَّ النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم قال : النّساءُ ناقصاتُ عقلٍ ودِين ، وقال : لا يُفلحُ قومٌ وَلَّوْا أمُورَهم امرأة !

لِنبدَأ بقضيَّة ولاية المرأة : روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي بكرة رضي الله عنه ، قال : لقد نَفعني الله بكلمة أيَّام الجمل : لَمَّا بلغَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ فارسًا (أي الفُرْس) ملَّكُوا ابنةَ كِسْرَى (أي جعلُوها ملكةً عليهم بعد وفاة والدها) ، قال : لَنْ يُفلحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهُم امرأة . (الجامع الصّحيح المختصر - الجزء 6 - ص 2600 - رقم الحديث 6686) .

فالنَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم لَم يقلْ إذًا هذه الجملة في خُطبةٍ عامَّة وكَتشريعٍ عامّ ، وإنَّما كانت تعليقًا منه على حدَثٍ سياسي مُعيَّن ، وهو تَوَلّي ابنة كِسْرَى عَرْشَ المُلْك خَلَفًا لِوَالِدها . وقد صدَقتْ توقُّعاتُ النَّبيّ فعلاً لأنَّ الفُرسَ الذين كانُوا وَقتَها قوَّةً عُظمى تُوازي قوَّة الرُّوم ، زال مُلكُهم بعد سنوات قليلة من هذا الحدث .

وحتَّى لو أخذْنا بقَول النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه الحادثة على أنَّه تشريع عامٌّ ، فهو لاَ يَمنع المرأة من تَوَلّي كلَّ المناصِب العُلْيَا ، وإنَّما منصب رئاسة الدَّولة فقط ، ربَّما لأنَّ هذا المنصب بالذَّات يتطلَّب خشونة أكثر وحركة دائمة وأعصابًا من حديد ، نظرًا لِتنوُّع المسؤوليَّات وحِدَّة الانتقادات وكثرة التَّقلُّبات والهزَّات ، فتكون طبيعة الرَّجل أكثر تحمُّلاً لهذه الأشياء .

هذه إذًا كلُّ القضيَّة ! ولو تأمَّلْنا في كلّ بلدان العالم اليوم ، لَوَجدنا أنَّ الغالبيَّة العظمى لِرُؤسائها هم رجال .

ننتقل الآن إلى قضيَّة نُقصان العقل : روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : خرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أضحَى أو فطر (أي في عيد الأضحى أو عيد الفطر) إلى المصَلَّى ، فمَرَّ على النّساء ، فقال : يا معشرَ النّساء ، تَصَدَّقْنَ فإنّي رأيتُكُنَّ أكْثَر أهل النَّار . قُلْنَ : وبِمَ يا رسولَ الله ؟! قال : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وتَكْفُرْنَ العَشِير ، ما رأيتُ مِن ناقصات عَقْلٍ ودِين أذْهَبَ لِلُبّ الرَّجُل الحازم من إحداكُنَّ ! قُلْنَ : ومَا نُقْصَان دِيننَا وعَقْلِنَا يا رسولَ الله ؟ قال : أليسَ شهادة المرأة مثل نِصْف شهادة الرَّجُل ؟ قُلْنَ : بَلَى، قال : فذلك من نُقْصان عَقْلِها، أليسَ إذا حاضتْ لَمْ تُصَلّ ولَمْ تَصُمْ ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قال : فذلكَ من نُقْصان دِينها . (الجامع الصّحيح المختصر - الجزء 1 - ص 116 - رقم الحديث 298) .

هذا إذًا هو الحديث الذي لم يَخرج منه بعضُ النَّاس إلاَّ بجملة : النّساء ناقصاتُ عقل ! فلنُحاول معًا فَهْمه خُطوة خُطوة :

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : خرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أضحَى أو فطر (أي في عيد الأضحى أو عيد الفطر) إلى المصَلَّى .

فالمناسبة إذًا كانت مُناسبة عيد وفَرح . فهل من المعقول أن يَستغلَّ النَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هذه المناسبة لِيَشتُم النّساء في وجوههنَّ ، ويُنكّد عليهنَّ فرَحهُنَّ ؟! طبعًا غير معقول ! وقد تحدَّثْنا في قسم آخر من هذا الموقع عن أخلاق النَّبيّ العالية ، وعن وِصايته بِحُسن معاملة المرأة ، هذا فضلاً عن أنَّه سمح لها بالخروج مع الرّجال والأطفال لِصلاة العيد حتَّى ولو كانت حائضًا ، لِتَفرح معهم بهذا الحدَث السَّعيد .

قال أبو سعيد : فمَرَّ (أي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم) على النّساء ، فقال : يا معشرَ النّساء ، تَصَدَّقْنَ فإنّي رأيتُكُنَّ أكْثَر أهل النَّار . قُلْنَ : وبِمَ يا رسولَ الله ؟!

وطريقة الرَّدّ هذه تدلُّ على أنَّ النّسوة لَم يغضَبْنَ من كلام النَّبيّ ، بالرَّغم من أنَّ ظاهرهُ ذمٌّ لهنَّ !

لِمَاذَا ؟ طبعًا لأنَّ لهجة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم تكُن لهجة غاضِب أو شامِت ، حاشَى وكلاَّ ، وإنَّما كانتْ لهجةً باسمة ، فيها نوعٌ من الدّعابة ، الغايةُ منها تَنبيه هؤلاء النّسوة إلى صِفَة ذميمة مُنتشرة عند الكثير منهنَّ ، قد تؤدّي بهنَّ إلى النَّار إن لم يُصلِحْنَها .

ثمَّ بيَّن لهنَّ هذه الصّفة ، فقال : تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وتَكْفُرْنَ العَشِير . بمعْنَى أنَّ الزَّوج لو أحسنَ إلى إحداهُنَّ الدَّهر كلَّه ثمَّ رأتْ منه شيئًا لا يُعجبها ، فإنَّها تقول : ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ !

ثمَّ تابع النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلامَه بنَفْس اللّهجة الباسمة مع الدّعابة ، فقال : ما رأيتُ مِن ناقصات عَقْلٍ ودِين أذْهَبَ لِلُبّ الرَّجُل الحازم من إحداكُنَّ !

ولو كان يُريد فعلاً بهذا الكلام التّنقيص من قدرهنَّ ، لقال مثلاً : إنَّكُنَّ ناقصاتُ عقل ودين ! لكنَّه لَم يقلْ ذلك لأنَّه لم يكن يقصدُ إهانَتهُنَّ ولا التَّنغيص عليهنَّ في يوم العيد ، ولا حتَّى في الأيَّام العاديَّة .

بل لو تأمَّلْنا في قوله : ما رأيتُ من ناقصات عَقْلٍ ودِين أذْهَبَ لِلُبّ الرَّجُل الحازم من إحداكُنَّ ، لَوَجدناهُ في الحقيقة مَدحًا وليس ذمّا ! نعم ، فهو يمدح في النّساء أنُوثتهنَّ التي تتميَّز بالرّقَّة والعاطفة والدَّلال ، بحيثُ لا يصمد أمامها أشدُّ الرّجال حزمًا ! وهذا كما يقول أبٌ لابنته مثلاً : عجبًا ! كيف استطعتِ إقناع جدّك بالذَّهاب معنا ، مع أنَّني حاولتُ معه كثيرًا فلم يقبل ؟!

فجاء استفهامُ النّساء أيضًا هادئًا ، يُناسب لهجةَ النَّبيّ المرحة : قُلْنَ : ومَا نُقْصَانُ ديننَا وعَقْلِنَا يا رسولَ الله ؟
فهُنَّ إذًا لَم يغضَبْنَ ، ولَم يَعتبرنَ كلام النَّبيّ إهانة لهنَّ .

قال : أليسَ شهادة المرأة مثل نِصْف شهادة الرَّجُل ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قال : فذلك مِن نُقْصان عَقْلِها ، أليسَ إذا حاضتْ لَمْ تُصَلّ ولَمْ تَصُمْ ؟ قُلْنَ : بَلَى ، قال : فذلكَ من نُقْصان دِينها .

ففسَّر لهنَّ النَّبيُّ نُقصانَ عقلهنَّ ودينهنَّ تفسيرًا واقعيّا ، لأنَّه وإن كان يَمزح فهو لا يقول إلاَّ حقّا ! أمَّا نُقصان العقل ، ففسَّره بأنَّه ، عند كتابة الدَّيْن ، يشهدُ هذه الكتابةَ رجُلان ، فإن لم يُوجَد رجُلان ، فرجلٌ وامرأتان . وقد بيَّنَّا أنَّ السَّبب في ذلكَ يعود ربَّما إلى أنَّ المرأة ليست لها خبرةٌ مثل الرَّجل في مثل هذا النَّوع من المعاملات الماليَّة . فعند حُضور امرأتين ، تُذَكّر إحداهُما الأخْرى عند الحاجة لذلك .

وأمَّا نُقصان الدّين : فليس فيه أيضًا ذَمٌّ للمرأة ، وإنَّما فيه تخفيفٌ عنها من بعض العبادات ! فقد أعفاها الله تعالى في فَترة حيضها ونفاسها من الصَّلاة والصَّوم ، إلى أن ينقطع عنها الدَّم ، فتقضي حينئذ الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاة .

هذه إذًا كلُّ المسألة بخصوص نُقصان عقل المرأة ودينها . ولو كان الإسلام يعتبر المرأة أقلّ عقلاً من الرَّجل ، لَمَا كَلَّفها بأعظم وأنبل وأصعب مُهمَّة ، وهي تربية الأبناء الذين هم قِوام كلّ مجتمع .

إنَّ العقل نعمة من نِعَم الله ، أنعمَ بها على عباده جميعًا ، نساءً ورجالاً . وإذا كان النَّاسُ يتفاوتُون في عِلْمهم وذكائهم ورجاحة عقلهم ، فهذا لا يعود أبدًا إلى جنسهم ، وإنَّما إلى طريقة كلّ واحد منهم في استغلال هذه النّعمة .

وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، يُصدّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه ، في قصَّة صُلح الحدَيْبيَة حديثًا طويلاً نأخذ منه ما يلي : فلمَّا فرغَ من قضيَّة الكتاب (أي كتابة عقد الصُّلح) ، قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه : قُومُوا فانحرُوا ثمَّ احلِقُوا . فوَالله ما قام منهم رجلٌ حتَّى قال ذلك ثلاث مرَّات ! فلَمَّا لَمْ يَقُم منهم أحدٌ ، دخلَ على أمّ سَلَمَة (زوجته) ، فذكَر لها ما لَقِيَ من النَّاس . فقالت أمُّ سَلَمة : يا نَبيَّ الله ، أتُحِبُّ ذلك (أي أتُحِبُّ أن يَنْحر أصحابُكَ ويَحْلِقُوا) ؟ اخرجْ ، لا تُكَلّمْ أحدًا منهم كلمةً حتَّى تَنْحَر بُدْنَك (وهي النَّاقة أو البقرة) وتدعُو حالِقَك فيَحلقك . فخرجَ ، فلَمْ يُكلّم أحدًا منهم حتَّى فعلَ ذلك : نَحَر بُدْنَه ، ودعا حالِقَه فحلَقه .
فلمَّا رأوا ذلكَ ، قامُوا فنحَرُوا . (الجامع الصّحيح المختصر - الجزء 2 - ص 974 - رقم الحديث 2581) .

فأمُّ سَلَمة هنا أشارت على النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم برأي سديد ، فنفَّذه على الفَور ، وانْحلَّت المشكلة ! ولو كان النَّبيُّ ينظرُ إلى المرأة على أنَّها ناقصة عقل ، لَما أخذَ برأيها في أيّ مسألة من المسائل . ولكنَّه كان ينظُر إليها حقيقةً على أنَّها كاملة العقل ، وكان يتعاملُ معها على هذا الأساس .

وقد روى الإمام أحمد في مُسنَده عن أنَس بن مالك رضي الله عنه ، قالَ : كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في طريق، معهُ ناسٌ من أصحابه، فلَقِيَتْهُ امرأةٌ فقالتْ : يا رسولَ الله ، إنَّ لي إليكَ حاجة (أي أريد أن أتحدَّث إليك في أمر) . فقال : يا أُمَّ فُلان ، اجْلِسي في أيّ نَواحي السّكَك شِئْتِ ، أَجلِس إليكِ . ففعلَتْ ، فجلسَ إليها حتَّى قَضتْ حاجتها (أي انتهت من مسألَتها) . (مسند الإمام أحمد بن حنبل - الجزء 3 - ص 119 - رقم الحديث 12218) .

بل إنَّ النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم كان يتأدَّبُ حتَّى مع الأطفال الصّغار ، ويُعاملهم معاملة الكبار . فقد روى ابن ماجه في سننه عن أنَس بن مالك رضي الله عنه ، قالَ : إن كانت الأمَةُ (أي الطّفلة الصَّغيرة) مِن أهل المدينة لَتأخُذُ بِيَد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فَمَا يَنزعُ يَدَهُ من يَدهَا حتَّى تذهبَ به حيثُ شاءتْ من المدينة في حاجَتها . (سنن ابن ماجة - الجزء 2 - ص 1398 - رقم الحديث 4177) .

حتَّى في الجِماع ، لَم يَنْسَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُلْفِتَ نظَر الزَّوج إلى أنَّ لِزَوجته الحقّ في الاستمتاع به ، تَمامًا مثلما يَستمتعُ هو بها . فقد روى أبو يعلى في مُسنَده عن أنَس بن مالك رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : إذا جامعَ أحدُكُم أهلَه فَلْيَصْدُقها ، ثمَّ إذَا قَضَى حاجتهُ قبلَ أن تَقْضِي حاجتَها فلاَ يعجلها (أي فَلْيَنْتَظِر قليلاً ولا يستعجلها) حتَّى تقضي حاجتَها . (مسند أبي يعلى - الجزء 7 - ص 208 - رقم الحديث 4201) .

فهل سَمِعْتِ سيّدتي الفاضلة بمثل هذه التَّوجيهات النَّبيلة في أيّ وثيقة من وثائق حقوق المرأة ؟!
avatar
سارة
الادارة العامة
الادارة العامة

انثى عدد المساهمات : 1528
تاريخ الميلاد : 13/03/1223
تاريخ التسجيل : 27/05/2010
العمر : 795

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هكذا تُشوّه صورة الإسلام

مُساهمة من طرف سارة في الثلاثاء 24 أغسطس 2010 - 10:51

هكذا تُشوّه صورة الإسلام
5- هكذا يحافظ الإسلام على بيت الزّوجيّة

للإسلام طريقةٌ فريدة في تنظيم الحياة بين الزَّوجين والحفاظ على بيتهما من الهزَّات . وترتكز هذه الطَّريقة أساسًا على تحديد مسؤوليَّات كلٍّ من الزَّوج والزَّوجة منذ البداية ، ثمَّ حَثّ كلٍّ منهما أن يُؤدّي حقَّ الآخر عليه بالحسنَى .

لِنَبدأ بتحديد المسؤوليَّات : الرَّجُل هو المسؤول عن الإنفاق على زوجته وأبنائه ، وتوفير كلّ ما يَلزَمُهم من مسكن ومأكل ومشرب وغير ذلك . فهو المطالَب إذًا بالعمل لتحصيل الرّزق .

أمَّا المرأة ، فهي مسؤولةٌ عن عمل البيت والقيام بشؤون الأطفال . وليس في هذا إهانة لها ، بل بالعكس ، فيه إراحة لها من الجري وراء لقمة العيش . والغريبُ أنَّ المرأة اليوم تُقيمُ الدُّنيا وتُقعِدُها لكي تعملَ خارج البيت بِدَعْوَى أنَّ الطَّبخ والتَّنظيف يَحطُّ من قيمتها ، وفي المقابل لا تتردَّد في القيام بنفس هذه الأعمال إذا وجدتْ شغلاً في مطعم أو فندق !

من ناحية إدارة العائلة واتّخاذ القرارات ، فهي مَسؤوليَّة مشتركَة بين الزَّوجين ، بحيثُ يتشاور الاثنان في كلّ الأمور ، ولا يُتَّخَذ أيّ قرار إلاَّ برضَى الطَّرفَيْن . يقول الله تعالى متحدّثًا عن صفات المؤمنين : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 38 } (42- الشّورى 38) . فمِنْ صفات المؤمنين إذًا ، رجالاً ونساءً ، أنَّهم يتشاورون في كلّ الأمور .

ويقول تعالى في قضيَّة الرَّضاعة : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 233 } (2- البقرة 233) .

ففي هذه الآية ، أرشدَ الله تعالى أنَّ تَمام الرَّضاعة سَنتان ، ثمَّ رخَّص لِلوالدين أن يَفْطما طفلَهما قبل سِنّ العامين ، إذا رأيَا أنَّ في ذلك مصلَحة له ، شَرْط أن يَتشاورَا في هذا الأمر ويتَّفقَا على قَرار واحد .

حتَّى مسألة عمل الزَّوجة في البيت أو خارجه يُمكنُ التَّشاور فيها . نعم ، فالإسلام لم يقل أنَّ عمل المرأة خارج البيت حرام ، وإنَّما قال أنَّ الأصل هو أن تهتمَّ المرأة بشؤون البيت والأطفال . لكن ، إذا تشاور الزَّوجان واتَّفقَا على أن يعمل الاثنان في الخارج ، ويُرَتّبَا أمورهما على هذا الأساس ، فلا أحد يَمنعهما من ذلك .

قد تقولين سيّدتي : ولكن قد يختلفُ الزَّوجان في أمرٍ مَا ، ويُصرُّ كلٌّ منهما على رأيه ، فما العمل في هذه الحالة ؟

الحلُّ الأمثل هو أن تتنازل الزَّوجة عن رأيها حتَّى لا يَهتزَّ البيتُ كلُّه ! نعم ، تتنازل هي ، ليس لأنَّها الأضعف ، وإنَّما بالعكس ، لأنَّها الأعقل ، والأكثر رزانة ، والأكثر رقَّة ، والأحرص على استقرار بيتها.

ونحنُ عادةً عندما يحصلُ خلافٌ بين أخوَيْن ويصلان إلى حدّ القطيعة ، نذهبُ إلى الأكثر رزانة وحكْمة ، ونطلبُ منه أن يتنازل هو ، ويكون هو المبادِر لِطَلب الصُّلح من أخيه . وفي العادة ، تعود العلاقة من جديد بين الأخوين ، ويزدادُ الثَّاني احترامًا للأوَّل لأنَّه استطاع أن يتغلَّب على نفسه ويُبادر إلى إنهاء النّزاع .

إذا تحاور الزَّوجان إذًا في مسألة مَا ، ثمَّ أصرَّ الزَّوجُ على أنَّ ما قاله هو الذي يجبُ أن يَتِمَّ ، فالأفضل هنا أن تتنازل الزَّوجة عن رأيها ، وتُطيع زوجها في ما أمَر به ، طالَما أنَّ هذا الأمر ليس فيه معصية للَّه ولا يَضُرُّ بها ولا بغيرها . وبهذا ، تُحافظ على استقرار بيتها وأطفالها ، ويزداد احترامُ زوجها لها .

لهذا ، نجدُ النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم في العديد من أحاديثه يَحُثُّ الزَّوجة على طاعة زوجها . فقد روى الطَّبراني في المعجم الأوسط حديثًا عظيمًا عن أنَس بن مالك رضي الله عنه ، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال : ألا أُخبرُكُم برجالكُم في الجنَّة ؟ قُلْنا : بلَى يا رسولَ الله ، قالَ : النَّبيُّ في الجنَّة ، والصّدّيقُ في الجنَّة ، والشَّهيدُ في الجنَّة ، والمولودُ في الجنَّة ، والرَّجلُ يزورُ أخاهُ في ناحية المصر (أي في أقصى المدينة ، دليلاً عن بُعد المسافة) لا يزورهُ إلاَّ لِلَّه ، في الجنَّة . ألاَ أُخبرُكُم بنسائكُم في الجنَّة ؟ قُلْنا : بلَى يا رسولَ الله ، قالَ : كلُّ وَدُود وَلُود ، إذا غضبتْ أو أسيءَ إليها (وفي رواية في المعجم الصَّغير : أو غضبَ زوجُها) ، قالتْ (أي لِزوجها) : هذه يَدي في يَدك ، لا أكتحلُ بغمْضٍ حتَّى ترضَى ! (المعجم الأوسط - الجزء 2 - ص 441 - رقم الحديث 1764) .

وروى ابن ماجه في سُنَنه عن أمّ سَلَمة رضي الله عنها ، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : أيّمَا امرأة ماتتْ وزوجُها عنها راضٍ ، دخلَت الجنَّة . (سنن ابن ماجة - الجزء 1 - ص 595 - رقم الحديث 1854) .

وروى الإمام أحمد في مُسْنده عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : إذا صلَّت المرأةُ خَمْسَها (أي الصَّلوات الخَمْس المفروضة) ، وصامتْ شهرَها (أي شهر رمضان) ، وحفظتْ فَرْجَها ، وأطاعتْ زوجَها ، قِيلَ لها : أدْخُلي من أَيّ أبْواب الجنَّة شِئْتِ . (مسند الإمام أحمد بن حنبل - الجزء 1 - ص 191 - رقم الحديث 1661) .

طبعًا ، وفي مقابل هذا ، حثَّ النَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم الزَّوجَ أيضًا أن يُحسِنَ مِن ناحيَته معاشرة زوجته . وقد ذكَرْنا بعض الأحاديث في عناصر سابقة ، من ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قالَ (وذلك في خطبته الطَّويلة في حجَّة الوداع) : اتَّقُوا اللهَ في النّساء ، فإنَّكُم أخَذْتُموهُنَّ بأمانَة الله ، واستحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بكَلِمَة الله . (صحيح مسلم - الجزء 2 - ص 886 - رقم الحديث 1218) .

بل إنَّ النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم ذهبَ لأبعد من ذلك ! فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر (بن عبد الله) رضي الله عنه ، قال : نَهَى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَطرقَ الرَّجلُ أهلَه ليلاً يَتَخَوَّنُهم أو يلتمس عَثَراتهم . (صحيح مسلم - الجزء 3 - ص 1528 - رقم الحديث 715) .

أي أنَّ الزَّوج عندما يكون غائبًا في سَفَر ثمَّ يعود فجأة ، فليس مِن المروءة ولا مِن الأخلاق أن يُفكّر في مُباغتة زوجته والدُّخول عليها ليلاً ، بُغيَة التَّثبُّت مِمَّا تفعلُه من ورائه ! فالأصلُ في الإسلام هو السَّتْر على الغير ، وعدم تتبُّع زلاَّت النَّاس وأخطائهم .

وفي رواية أخرى للإمام مسلم أيضًا عن جابر (بن عبد الله) رضي الله عنه ، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال : إذا قدم أحدُكُم ليلاً فلا يأتِيَنَّ أهلَه طروقًا ، حتَّى تستحدَّ المغيبة (وهي المرأة التي يكون زوجُها غائبًا) وتَمْتشط الشَّعثَة . (صحيح مسلم - الجزء 3 - ص 1527 - رقم الحديث 715) .

على الزَّوج إذًا ألاَّ يَدخُل على زوجته فجأةً في وقتٍ لا تتوقَّع فيه مَجيئه ، سواء عاد من سفَر أو عاد باكرًا من عمله اليومي ، بل يُخبرها بأنَّه في طريق العودة إلى البيت حتَّى تستعدَّ لذلك . وفي هذا إشعارٌ قويٌّ لها بأنَّه يثقُ فيها تمام الثّقة ، وأنَّه يحترمها تَمام الاحترام . هذا بالإضافة إلى أنَّه يضمن بهذا الفعل أن يجدها على أحسن حال وأجمل هيئة ، فيزداد حبّا لها .

فهل لَمَسْتِ سيّدتي الكريمة مدى عظمة الإسلام ؟!

قد تقولين الآن : وما العمل إذا أمَر الزَّوجُ زوجته بِمَعصية ، أو كان يؤذيها أو يؤذي أطفالها ؟

طبعًا ، لا تُطيعُه في هذا الأمر . بل تُذَكّره بالله ، وفي نفس الوقت تدعُو اللهَ أن يَهديه إلى الطّريق السّويّ . فإن تَمادَى في ظُلمه ، فيُمكِنُها أن تشكُوه إلى أحد أقاربه أو أصدقائه الثّقات .

وقد اشتكَتْ امرأةٌ زوجَها إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فسمع اللهُ حوارهُما وأنزل آيات قرآنيَّة ، ليس لِلتَّنديد بصنيعها ، وإنَّما للدّفاع عنها وعن حقوقها !

فقد روى الإمام أحمد في مُسنَده عن خَوْلة بنت ثعلبة رضي الله عنها ، قالتْ : واللهِ فِيَّ وفي أَوْس بن الصَّامت أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ صَدْرَ سورة المجادلة . كنتُ عنده (أي كنتُ زوجةً لأوس) ، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلُقُه وضجر ، فدخلَ عَلَيَّ يومًا فراجعتُه بشيء (أي عارَضْتُه في أمر من الأمور) ، فغضب فقال : أنتِ عَلَيَّ كَظَهْر أُمّي (وهذا الأمرُ يُسَمَّى ظهارًا ، وكان يُوجِبُ الطَّلاقَ في شريعة العرب) .

قالتْ خَوْلة : ثمَّ خرج ، فجلسَ في نادي قَوْمه ساعة ، ثمَّ دخلَ عَلَيَّ ، فإذا هو يُريدني على نفسي (أي يرغبُ في الجِماع) . فقلتُ : كلاَّ ، والذي نفسُ خُوَيْلَة بِيَده لا تخلُص إلَيَّ وقد قُلْتَ ما قُلْت حتَّى يحكُمَ الله ورسولُه فينا بحُكْمه (وذلك أنَّها أصبحتْ كالمطلَّقة في شريعة العرب ، وبالتَّالي فهي تحرمُ على زوجها) .
قالتْ خَوْلة : فَواثَبَني ، وامتنعتُ منه ، فغلَبْتُه بِمَا تغلِبُ به المرأةُ الشَّيخَ الضَّعيف . فألقَيْتُه عنّي ، ثمَّ خرجتُ إلى بعض جاراتي ، فاستَعرْتُ منها ثيابَها ، ثمَّ خرجتُ حتَّى جئتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم .

فجلستُ بين يَدَيْه فذكرتُ له ما لقيتُ منه (أي من زوجي) ، فجعلتُ أشكُو إليه صلَّى الله عليه وسلَّم ما ألْقَى من سُوء خُلُقه . فجعلَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول : يا خُوَيْلَة ، ابنُ عمّكِ شيخٌ كبيرٌ ، فاتَّقِي الله فيه !

فَوَاللهِ ما برحتُ حتَّى نزلَ فِيَّ القُرآن ، فتَغَشَّى رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما كان يَتغشَّاه ثمَّ سُرّيَ عنه ، فقال لي : يا خُوَيْلَة ، قد أنزلَ اللهُ فيكِ وفي صاحبكِ (قرءانًا) ، ثمَّ قرأ علَيَّ : { قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى الله وَالله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ 1 الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ 2 وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ 3 فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ 4 } (58- المجادلة 1-4) .

قالتْ خَوْلة : فقال لي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم : مُريهِ ، فَلْيُعتِقْ رَقَبة . فقلتُ : واللهِ يا رسولَ الله ، ما عِنْدَه ما يُعتِقْ . قالَ : فَلْيَصُم شَهرين مُتتابعَيْن . فقلتُ : واللهِ يا رسولَ الله ، إنَّه شيخٌ كبيرٌ ما لَه مِن صِيام . قال : فَلْيُطعِمْ ستّين مسكينًا وسْقًا من تَمْر . قلتُ : واللهِ يا رسولَ الله ، ما ذاكَ عندَه . فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم : فإنَّا سنُعينُه بعِرْقٍ من تَمر . فقلتُ : وأنا يا رسولَ الله ، سأعينُه بعِرْقٍ آخر . قال : قد أصَبْتِ وأحسنْتِ ، فاذهَبي فتَصَدَّقي عنه ، ثمَّ استَوْصِي بابن عَمّكِ خيرًا .
قالتْ خَوْلة : ففعلتُ . (مسند الإمام أحمد بن حنبل - الجزء 6 - ص 410 - رقم الحديث 27360) .

بالله عليكِ سيّدتي الفاضلة ، هل هذا دِينٌ يَحتقرُ المرأة ؟! يَحدثُ خِلافٌ كبير بين امرأة وزوجها ، فتستنجدُ المرأةُ بالنَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ، فيُنزلُ الله تعالى تشريعًا في هذه المسألة يُقرّر فيه أنَّ الزَّوجة لا تُطَلَّق في حالة الظّهار ، وإنَّما يجبُ على زوجها أن يُكفّر عن قوله بأن يُعتقَ رَقبَة ، فإن لَم يَجد ، يصومُ شَهرَيْن مُتتابعَيْن ، فإن لم يَستطع ، يُطعم سِتّين مسكينًا .

والغريب أنَّ المرأة بدأتْ حديثَها بالشَّكْوى من سوء خُلُق زوجها ، فنَصحها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالإحسان إليه ، فلَم تَقُم من مجلسها حتَّى أصبحتْ تُدافع عن هذا الزَّوج ! بل الأغرب من هذا ، تكفَّلَت بدفع بقيَّة الكفَّارة عنه ، بعد أن تكفَّل النَّبيُّ بدفع جزء منها !

وقد حدثتْ قصَّةٌ أخرى عجيبة مع خَوْلَة ، رواها القرطبي في تفسيره ، قال : مَرَّ بها عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في خلافته والنَّاسُ معه ، وهو على حمار ، فاسْتَوْقفَتهُ طويلاً ووَعظتهُ وقالت : يا عُمَر ، قد كنتَ تُدْعَى عُمَيْرًا ، ثمَّ قِيل لك عُمَر ، ثمَّ قيل لك أمير المؤمنين ، فاتَّقِ الله يا عُمَر ، فإنَّه مَنْ أيقنَ بالموت خافَ الفَوْت ، ومَنْ أيقنَ بالحساب خافَ العذاب !

وهو واقفٌ يسمعُ كلامها ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، أتقفُ لهذه العجوز هذا الوقُوف ؟! فقال : واللهِ لَو حَبَسَتْني مِن أوَّل النَّهار إلى آخره ، لا زلتُ (أي واقفًا) ، إلاَّ (أن أذهبَ) للصَّلاة المكتوبة . أتدرونَ مَن هذه العجوز ؟ هي خَوْلة بنت ثعلبة ، سمع اللهُ قولَها من فَوق سبع سماوات . أيَسْمعُ ربُّ العالَمين قولَها ولا يسمعهُ عُمَر ؟!

هذه إذًا طريقة الإسلام في الحفاظ على بيت الزَّوجيَّة . فماذا قدَّمَت الأنظمة الأخرى ؟

لا شيء ، سِوَى أنَّها زَيَّنت للمرأة أنَّ قوَّتها تكمن في مدى قدرتها على أن يكون القرارُ دائمًا قرارها ، وأنَّها لا يجبُ أن تضعف أمام زوجها لأنَّها مساوية له ! فكانت النَّتيجة أن كَثُرت الخلافات الزَّوجيَّة واشتدَّتْ ، وامتلأت المحاكم بقضايا الطَّلاق ، وكان الخاسر الأكبر طبعًا هو .. الزَّوجة !
avatar
سارة
الادارة العامة
الادارة العامة

انثى عدد المساهمات : 1528
تاريخ الميلاد : 13/03/1223
تاريخ التسجيل : 27/05/2010
العمر : 795

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هكذا تُشوّه صورة الإسلام

مُساهمة من طرف سارة في الثلاثاء 24 أغسطس 2010 - 10:53

كلمة أخيرة عن قضيّة المساواة بين الرّجل والمرأة

يقول الله تعالى في القرآن الكريم في حديثه عن ولادة امرأة عمران للسَّيّدة مريم عليها السَّلام : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَالله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 36 } (3- آل عمران 36) .

هذه الآية تحتوي على قاعدة عظيمة ، لو فَهمها النَّاسُ وعملُوا بها لانحَلَّت أغلب مشاكلهم الزَّوجيَّة والاجتماعيَّة ! هذه القاعدة هي : وليس الذَّكَرُ كالأنثَى .

معنى ذلك أنَّ المرأة ، وإن انسلَختْ من جِلْدَتها ، وإن قادت الباخرة أو لعبتْ كرة القدم ، فستَبقى امرأة ، لها خصائصها الأنثويَّة وعواطفها الأنثويَّة وحاجاتها الأنثويَّة .

وليس في هذا تحقيرٌ لها أو تقليلٌ من دورها في المجتمع . أبدًا ، إنَّها نصفُ المجتمع ، والرَّجلُ هو النّصفُ الآخر ، الاثنان يتساويان في الإنسانيَّة ويتكاملان في الوظيفة الحياتيَّة .

وقد أصبح من المعروف اليوم أنَّ المرأة تختلف عن الرَّجل ، ليس فقط في الشَّكل الخارجي لجسدها ، وإنَّما أيضًا في نفسيَّتها وميُولاتها وتصرُّفاتها اللاَّشعوريَّة . وربَّما سمعتِ سيّدتي بقصَّة الرَّجل الذي خرجَتْ زوجتُه لتعمل ، وجلس هو في البيت يقوم بشؤُونه ، فأخذتْ ابنتُه الرَّضيعة تبكي ولم تقبل زجاجة الحليب . فلمَّا أخفقَتْ كلُّ محاولاته معها لإسكاتها ، ضاق بها ذرعًا ، فقذف بها بقوَّة على الأرض ، فماتَتْ ، ودخل هو إلى السّجن !

مِن الخطأ والشُّذوذ إذًا أن يُحاولَ الرَّجُلُ أن يتأنَّث أو تُحاول المرأةُ أن تَترجَّل ! وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عبَّاس رضي الله عنه ، أنَّه قال : لَعنَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المتَشَبّهين من الرّجال بالنّساء ، والمتَشَبّهات من النّساء بالرّجال . (الجامع الصّحيح المختصر - الجزء 5 - ص 2207 - رقم الحديث 5546) .

فكما أنَّ الأمَّ لا تستطيعُ أبدًا أن تُصبحَ أبًا ، ولا الأب يستطيعُ أن يأخُذ دور الأمّ ، فكذلك ، ولكي يحصل توازنٌ في الأسرة والمجتمع ، قسَّم الإسلامُ الأدوارَ والمهامّ بين الرَّجل والمرأة بِحَسَب ما يتوافق مع تركيبة كُلٍّ منهما الجسديَّة والنَّفسيَّة .

وليس في هذا إهانة لِأيٍّ منهما ، وإنَّما هو توزيعٌ طبيعي للمهامّ ، مثلما تُوزَّع الأدوارُ بين الوزراء في الدَّولة : هذا مسؤول عن الشُّؤون الخارجيَّة ، والآخر مسؤول عن الشُّؤون الدَّاخليَّة ، كُلٌّ يعملُ في مجاله ، وكُلٌّ يتشاور ويتعاون مع الآخر لكي يحصل التَّوازن .

وقد عاش الرّجالُ والنّساء في المجتمعات الإسلاميَّة قُرونًا عديدة في سَلام ، لا يُجادلُون في قاعدة : وليس الذَّكَرُ كالأنثَى ، لأنَّهم لم يَرَوْا فيها تفضيلاً لأحد الطَّرفين على الآخر ، وإنَّما رأَوْا فيها ، بالعكس ، تقسيمًا للمهامّ بينهما مع مراعاة فطرة كلٍّ منهما .

ولكن ، ما أن بدأ الجدالُ حول هذه المسألة ، حتَّى نشبتْ حربٌ ضروس بين المرأة والرَّجل ، في المجتمعات الغربيَّة أوَّلاً ثمَّ انتقلت إلى المجتمعات العربيَّة . وأصبحت قضيَّةُ مساواة المرأة بالرَّجل في كلّ شيء قَضيَّة مصيريَّة ، فلا يعمل الرَّجلُ عملاً ولا يدخل ميدانًا إلاَّ ويجب أن تفعل المرأة مثله تَمَامًا ! وكانت النَّتيجة الطَّبيعيَّة لذلك أن كَثُرتْ الخلافات الزَّوجيَّة في البيت ، وارتفعتْ نسبةُ البطالة في المجتمع .

وبعد أن جرَّبت الحكوماتُ الغربيَّة جميع الحلول فلم تُفلح في التَّخفيف من حدَّة هذه البطالة ، بدأت بعضُها في السَّنوات الأخيرة ، في فرنسا وغيرها ، تدعُو النّساء أن يتفرَّغن لتربية أطفالهنَّ مقابل منحة يتقاضَيْنها شهريّا ، وذلك لكي يُفسحن المجال لِلرَّجل أن يجد عملاً .

وبعد أن جرَّبت المجتمعاتُ الغربيَّة اختلاط الرَّجل بالمرأة في كلّ مكان بدَعْوَى المساواة أيضًا ، بدأت الآن تعلُو أصواتٌ في أمريكا وغيرها ، تدعُو إلى الفصل بين الطَّلبة والطَّالبات في المدارس بِحُجَّة أنَّ ذلك يُساعدهم على التَّركيز أكثر في الدّراسة وتحقيق نتائج أفضل .

وقد أكَّدتْ فعْلاً دراسات في بريطانيا أنَّ المدارس الغير مختلطة، الخاصَّة بالذّكور فقط أو بالإناث فقط، تحتلُّ المراكز الأولى في نسبة النَّاجحين . وفسَّر الباحثُون ذلك بأنَّ مِن بين الأسباب أنَّ الجوَّ في المدارس المختلطة يكون أكثر تكهربًا ، لِشُعور كلٍّ من الجنسَيْن بوُجُوب استعمال أسلوب معيَّن في طرح الأسئلة ، والجلوس بطريقة معيَّنة ، والمبالغة في التَّشويش ، لِكَي يلفت انتباه الجنس الآخر .

وإذا كان الغربُ قد بدأ يدعُو إلى إنشاء مدارس غير مختلطة لتتحسَّن نتائج الطَّلبة الدّراسيَّة ، وإلى عودة المرأة إلى البيت للتَّخفيف من أزمة البطالة ، فإنَّ من المؤسف والمضحك حقّا أنَّ بعض الجمعيَّات النّسائيَّة في بعض البلدان العربيَّة ما زالتْ تَقيس تقدُّمَ المرأة بحسب عدد النّساء العاملات في الجيش ، وكم واحدة اقتحمت ميدان الشُّرطة ، وكم واحدة تقود الطَّائرة ! وكلُّ هَمّ هذه الجمعيَّات أن تقتحم المرأة كلَّ الميادين التي دخلها الرَّجل ، حتَّى وإن اضطُرَّت إلى لعب الملاكمة والمصارعة مثله .

ألم يَحن الوقتُ إذًا أن تعتزَّ المرأةُ بأنوثتها وتتوقَّف عن الجري وراء مُساواةٍ مَغلوطة بالرَّجل ، لَمْ تَجْنِ من ورائها سوى التَّعب البدني في المواصلات والعمل ، والتَّعب النَّفسي لِشُعورها على الدَّوام بالاضطهاد من طرف المجتمع ، سواء في الأجر أو في فُرص الحصول على شُغل أو في المعاملة ؟!

وكلَّما طالبتْ بِمَزيدٍ من المساواة بالرَّجل ، كلَّما طالبها المجتمعُ بِمَزيدٍ من التَّذلُّل لهذا الرَّجُل ، ومَزيدٍ من التَّنازلات عن حيائها وشرفها وعِفَّتها .

ألَمْ يَحِن الوقتُ أن تُربّي المرأةُ أطفالها بنفسها ، وتغمرهم بحنانها وعطفها ، عِوَضَ أن تَفرض عليهم نظامًا عسكريّا في النَّوم والأكل ، يتناسب مع أوقاتها هي ، لا مع احتياجاتهم هم ، وتقطع عليهم متعة الرّضاعة من صدرها منذ الشَّهر الثَّاني بِحُجَّة أنَّها يجب أن تعود إلى الشّغل ؟!

وبعد أن كانت الأمُّ معروفة منذ قَديم العصور بأنَّها تُضحّي بكلّ شيء من أجل أطفالها ، أصبحنا نعيش اليوم في عصْرٍ يُجبَرُ فيه الأطفالُ منذ ولادتهم أن يُضَحُّوا بكلّ شيء من أجل أن تَعملَ أمَّهاتُهم !

ألَمْ يَحِن الوقتُ أن تعتزَّ المرأةُ بأنوثتها ، في لباسها ومِشْيَتها وكلامها وعواطفها ، مثلَما يَعتزُّ الرَّجُل برجُولته ؟!

ألَمْ يَحِن الوقتُ أن تشعُر المرأةُ بالفخر أنَّها أرقّ من الرَّجل وأكثر منه حنانًا وعطفًا وإيثارًا وتضحية، وأنَّ لها أعظم الشَّرف بأن لُقّبَتْ بِمُرَبّيَة أجيال ؟!
avatar
سارة
الادارة العامة
الادارة العامة

انثى عدد المساهمات : 1528
تاريخ الميلاد : 13/03/1223
تاريخ التسجيل : 27/05/2010
العمر : 795

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هكذا تُشوّه صورة الإسلام

مُساهمة من طرف سارة في الثلاثاء 24 أغسطس 2010 - 10:54

كلمة عن الحدود

البابُ الثَّاني الذي يَدخلُ منه بعضُ النَّاس لِتشويه صورة الإسلام والتَّخويف من تطبيقه ، هو باب الحدود . يقولون : إنَّ المسلمين إذا حكَموا ، فستُقطَع الأيدي ويُرْجَم الرّجالُ والنّساء بلا شفقة ولا رحمة ! وحُجَّتُهم في ذلك أنَّ القرآن يأمر بقَطع يَد السَّارق ورَجْم الزَّاني المتزوّج .

وللرَّدّ على هؤلاء ، أريد في البداية أن ألاحظ أنَّ التَّوراة الموجودة اليوم بين أيدي اليهود فيها أيضًا تشريعاتٌ بقطع اليد ، والرَّجم ، والقتل !

نعم ، فقد جاء مثلاً في سفر التَّثنية : إذا تخاصمَ رجُلان ، رجلٌ وأخوه ، وتقدَّمت امرأةُ أحدهما لِتُخَلّص رجُلَها مِن يَد ضارِبه ومَدَّتْ يَدها وأمسكَتْ بعَورته ، فاقطَعْ يَدها ولا تُشْفِقْ عينُك . (سفْر التَّثنية - الإصحاح الخامس والعشرون 11-12) .

وجاء في سفر الخروج بخصوص عقوبة مَن يَعْمل يوم السَّبت : وقال الرَّبُّ لِموسى : وأنتَ تكلّمُ بني إسرائيل قائلا : سُبُوتي تَحفظونها لأنَّه علامةٌ بيني وبينكُم في أجيالكم ، لِتعلَموا أنّي أنا الرَّبُّ الذي يُقَدّسُكم . فتَحفَظون السَّبْتَ لأنَّه مُقَدَّسٌ لكم . مَن دَنَّسهُ يُقتَلُ قتلا . إنَّ كلَّ مَن صنع فيه عملاً تُقطَع تلكَ النَّفسُ من بين شَعبها . سِتَّة أيَّام يُصنَع عمَل . وأمَّا اليومُ السَّابع فَفيه سَبْتُ عُطْلةٍ مُقَدَّسٌ للرَّبّ . كلُّ مَن صنع عمَلاً في يوم السَّبْت يُقتَلُ قتْلاً . (سفْر الخروج - الإصحاح الحادي والثَّلاثون 12-15) .

وجاء في سفر العدد : ولَمَّا كان بَنُو إسرائيل في البَرّيَّة ، وجدُوا رجلاً يَحتطِبُ حطبًا في يوم السَّبت . فقَدَّمَه الذين وجدوه يحتطبُ حطبًا إلى موسى وهارون وكلّ الجماعة . فوضعُوه في المحرس لأنَّه لَم يُعْلَن ماذا يُفعَلُ به . فقال الرَّبُّ لِموسى : قتلاً يُقتَلُ الرَّجُل . يَرجُمُه بحجارة كلُّ الجماعة خارج المحلَّة . فأخرجَه كلُّ الجماعة إلى خارج المحلَّة ورجَموه بحجارة ، فماتَ كما أمَر الرَّبُّ موسى . (سفْر العدد - الإصحاح الخامس عشر 32-36) .
فلماذا التَّحامُلُ إذًا على الإسلام فقط ؟!

على كلّ حال ، سنتحدَّث عن الحدود ، وسنبدأ بحديثٍ عظيم للنَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم يُوَضّح كلَّ شيء ! روى الإمام البخاري في صحيحه عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر رضي الله عنه ، أنَّ امرأةً سرقَتْ في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة الفَتْح ، ففزعَ قومُها إلى أسامة بن زيد يَسْتشفعُونه (أي يطلبون منه أن يَتدخَّل لهم لَدى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنَّ النَّبيّ كان يُحِبُّه ويحبُّ أباه كثيرًا) . فلمَّا كلَّمه أسامة فيها ، تلوَّنَ وجهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال : أتُكَلّمُني في حَدٍّ من حُدُود الله ؟! فقال أسامة : استَغْفِرْ لي يا رسولَ الله (لأنَّه عرفَ أنَّه ما كان يَنْبغي له أن يُناقِش في أوامر الله) .

فلَمَّا كان العَشِيُّ ، قام رسولُ الله خطيبًا (في المسلمين) ، فأثْنَى على الله بِما هو أهلُه ، ثمَّ قال : أمَّا بعد ، فإنَّما أهلك النَّاس قَبْلَكُم أنَّهم كانُوا إذا سرقَ فيهم الشَّريفُ تَركُوه ، وإذَا سرقَ فيهم الضَّعيفُ أقامُوا عليه الحَدَّ ! والذي نَفسُ محمَّد بِيَدِه ، لَوْ أنَّ فاطمة بنت محمَّد سرقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها !

ثمَّ أمرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بتلْكَ المرأة ، فقُطِعَتْ يَدُها . فحسُنَتْ تَوْبَتُها بعد ذلك وتزَوَّجتْ .
قالتْ عائشة (زوجة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم) : فكانتْ (أي المرأة) تأتي بعد ذلكَ ، فأرفعُ حاجتَها إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . (الجامع الصّحيح المختصر - الجزء 4 - ص 1566 - رقم الحديث 4053) .

الحدودُ إذًا شَرَّعها الله تعالى ، وفرضَ على الحاكم إقامَتها على كلّ شخص يَقترفُ أحد الذُّنوب التي تَسْتَوجبُ الحدَّ ، سواء كان هذا الشَّخصُ رجلاً أو امرأة ، غنيّا أو فقيرًا ، حاكمًا أو من عامَّة النَّاس . وبِمَا أنَّ الله تعالى هو الذي وضعَ هذه الحدود ، فلا بُدَّ أنَّ في تطبيقها مصلحة كلّ النَّاس ، لأنَّه تعالى هو الذي خلَقَنا وهو أعلم بِمَا يصلُح لنا .

وسنتحدَّثُ في هذا العنصر عن اثنَيْن من هذه الحدود ، هما حَدُّ السّرقة وحَدُّ الزّنا .

يقول الله تعالى في حَدّ السَّرقة : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ الله وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ 38 فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ 39 } (5- المائدة 38-39) .

ويقول تعالى في حَدِّ الزِّنا : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 2 } (24- النّور 2) .

وقد بيَّنَ لنا النَّبيُّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حَدَّ الزّنا بأنَّه : جَلْدُ البِكْر (أي الغير مُتزوّج) سواء كان شابّا أو شابَّة ، ورَجْمُ المحصَن (أي المتزوّج) سواء كان رجلاً أو امرأة .

ويجبُ التَّنبيه هنا إلى أنَّ الحدَّ لا يُقامُ إلاَّ بأمر القاضي، وذلك بعد أن يَستمع لِلمُدَّعي، والمدَّعَى عليه، والشُّهود . وإذا كان الحدُّ يَخصُّ الزّنا ، فلا بُدَّ أن يأتي المدَّعِي (ويُسمَّى القاذِف) بأربعة شُهداء يشهدُون أنَّهم رأوا بأعيُنهم عمليَّة الاتّصال الجنسي ، وليس فقط أنَّهم رأوا الرَّجلَ والمرأة يتعانقان أو مُلتحفَيْن بلحاف واحد .

وإذا لم يأتِ المدَّعِي بالشُّهود ، فإنَّه يُجلَد ولا تُقبَل شهادتُه في أيّ شيء بعد ذلك ! يقول تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 4 إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ 5 } (24- النّور 4-5) .

وإذا كان الزَّوجُ هو المدَّعِي ، فيجبُ أن يَحلفَ بالله إنَّه لَمِنَ الصَّادقين في ادّعائه أنَّ زوجته زنَتْ برجُل آخر ، وأنَّ عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين . وليس هذا فقط ، بل يجبُ أيضًا أن تعترف الزَّوجةُ بالزّنا ، فعندئذ يُقام عليها الحدُّ ، أو تَحلف بالله أنَّ زوجها كاذب وأنَّ عليها لعنة الله إن كان صادقًا ، فتُبرّئ بذلك نفسها !

يقول الله تعالى : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 6 وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 7 وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ 8 وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ 9 } (24- النّور 6-9) .

وفي هذا دليلٌ على أنَّ حُرمة العبد عظيمةٌ عند الله ، لا يُمكنُ انتهاكُها بِمُجرَّد شهادة زُور مِن فاسق للإيقاع بغيره .

وإذا كان الحدُّ يَخصُّ السَّرقة ، فيجبُ أن تبلُغ قيمةُ المسروق نصابًا مُعيَّنًا ، وأن يكون السَّارقُ بالغًا وسليم العقل . وإذا سرق الأبُ من مال ابنه فإنَّه لا يُعاقَب . وإذا أصابت مجاعةٌ بلدًا ما ، فإنَّ حاكمها يُعطّلُ العمل بالحدّ .

ويجبُ التَّنبيه أيضًا أنَّه ، بالرَّغم من أنَّ السَّارق تُقطع يَدُه أو أنَّ الزَّاني المحصَن يُرجَم ، إلاَّ أنَّ ذلك يتمُّ دون سبٍّ أو شَتْم ! فالغرضُ من إقامة الحدّ هو تطبيق شرع الله ، وليس التَّنكيل بالمحدود والشَّماتة به وإنزال أقصَى العقوبات عليه بوَحشيَّة تامَّة !

وقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عمران بن حُصَيْن رضي الله عنه ، أنَّ امرأةً من جُهَيْنَة أتتْ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهي حُبْلَى من الزّنَا ، فقالتْ : يا نَبيَّ الله ، أصَبْتُ حَدّا (أي اقترفتُ ذنبًا عظيمًا يَستوجبُ إقامة الحدّ علَيَّ) ، فأَقِمْهُ عَلَيَّ ! فدَعَا نَبِيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وَلِيَّها ، فقالَ : أحْسِنْ إليها ، فإذَا وضَعَتْ فَأتِنِي بها .

ففعَل (أي أتَى بها ولِيُّها بعد أن ولَدَتْ)، فأمَرَ بها نَبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فَشُدَّتْ عليها ثيابُها، ثمَّ أمَر بها فرُجِمَتْ ، ثمَّ صلَّى عليها (صلاة الجنازة) !

فقال له عُمَر : تُصَلّي عليها يا نَبيَّ الله وقد زَنتْ ؟! فقال : لقد تابَتْ تَوْبةً لَو قُسّمَتْ بينَ سَبْعينَ مِن أهل المدينَة لَوَسِعَتْهُم . وهلْ وجَدتَ توبةً أفضَلَ مِنْ أن جادَتْ بِنَفْسِها لِلَّه تعالَى ؟! (صحيح مسلم - الجزء 3 - ص 1324 - رقم الحديث 1696) .

أمَّا ما ذكَرْناه من قوله تعالى في الآية الثَّانية من سورة النُّور ، بخصوص الزَّانيَة والزَّاني : { وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله } ، فقد قال القرطُبي في تفسيره : أي لا تَمْتنعُوا عن إقامة الحدُود ، شفَقةً على المحدُود .
فالآية إذًا لا تحثُّ على التَّنكيل بالذي سيُقامُ عليه الحدُّ ، وإنَّما تأمر بعَدم تعطيل العَمل بالحدود ، لأنَّها فريضة من عند الله مثل الصَّلاة والصَّوم .

قد تقول سيّدي : ولكنَّ قَطْع يَد السَّارق ورجْم الزَّاني فيهما قَسوةٌ وبشاعة ، فلماذا لا يُعوَّضان مَثلا بالسّجن ؟

أقول : لأنَّ الزّنا والسَّرقة وشُرب الخمر ، هي من المعاصي الكبيرة التي إذا انتشرتْ في المجتمع أفسدَتْهُ فسادًا عظيمًا ، وقتلَتْ فيه كلَّ المبادئ والقِيَم والأخلاق . فإذا علِمَ المقدِمُ على هذه المعاصي أنَّه مُعرَّض لأن يُرجَم حتَّى الموت ، أو أن تُقطَع يدُه إذا انكشفَ أمرُه ، أو أن يُجْلَد ، فإنَّه يَرتدع . وإذا غلَبَتْهُ نفسُه وقام بالمعصية وأُقيم عليه الحدُّ ، فإنَّ غيرَه يتَّعظ . أمَّا السّجن ، فإنَّه لا يَردعُ في مثل هذه الأمور . ونحنُ نرى اليوم أنَّه كلَّما وقعَ التَّساهلُ في العقوبات ، كلَّما زادت الجرائم .

وعندما طُبّقت الحدودُ في عصر النَّبيّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ، لَم يَرَ فيها المسلمونَ وَحشيَّةً ولا همجيَّة ، بل رأوا فيها تَطهيرًا للمُذنب من ذنبه ، وحفاظًا على المجتمع من الفساد . لهذا ، كان البعضُ منهم يأتون بأنفسهم إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لِيُقيم عليهم الحدَّ ، مثلما ذكرْنَا في قصَّة المرأة التي زنَتْ .

وفي قصَّة أخرى ، روى ابن ماجه في سُنَنه عن ثعلبة الأنصاري رضي الله عنه ، أنَّ عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقال : يا رسولَ الله ، إنَّي سرقْتُ جَمَلاً لِبَني فُلان . فأرسلَ إليهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم (لِيَسألَهم إن كانَ قد سُرِقَ منهم جَمَل) ، فقالُوا : إنَّا افْتَقَدْنا جَمَلاً . فأمرَ به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم (أي أمَر بِالرَّجُل) ، فقُطِعَتْ يَدُه .

قال ثعلبة : أنا أنظرُ إليه حينَ وقعَتْ يَدُه ، وهو يقول : الحمدُ لِلَّه الذي طَهَّرني مِنْكِ أن تُدْخِلِي جَسَدي النَّار ! (سنن ابن ماجة - الجزء 2 - ص 863 - رقم الحديث 2588) .

ربَّما تقول : ولكن ، كيف طوَّعتْ لِنَفس النَّبيّ أن يأمُر برجْم المرأة ، وقطْع يَد الرَّجل ؟! أليس في قلبه رحمة ؟!

أقول : إنَّه يقوم بتَطبيق شرع الله . وهذا لا يُنافي أنَّ قلْبه يتقطَّع ألَمًا ، رحمةً بالذي يُقام عليه الحدُّ . وقد رأينا أنَّه صلَّى على المرأة بعد رَجْمها . فمثَلُه كَمثَل الوالد الذي يُؤدّبُ ولَده إذا انحرف ، ويَوَدُّ في نفس الوقت لو أنَّه لم يُضْطرَّ إلى تأديبه . ولو استجابَ لِعَواطفه ولم يُعاقبه ، لَفَسد الولَد . وكمَثَل الأمّ التي تَسقي ابنتَها المريضة دواء مرّا ، وتَوَدّ أنَّها لم تُضْطرَّ إلى فعل ذلك . وكمَثَل الطَّبيب الذي يَقطعُ الرّجْلَ المصابة للمريض ، حتَّى لا ينتقل الدَّاءُ إلى بقيَّة الجسد .

أخيرًا ، قد تقول سيّدي : ومع ذلك ، فإنَّ الرَّجم وقطع اليد هي عقوبات بدائيَّة ووحشيَّة ، ليس من المقبول أن تُطَبَّق في عصر العلم والحضارة والرّفق بالحيوان والدّفاع عن حقوق الإنسان .

أقول : ولكنَّ العقوبات المعمول بها في عصرنا هذا لم تَستطع الحدَّ من كثرة السَّرقات وحوادث الاغتصاب ، فضلاً عن جرائم القتل وغيرها ! بينما لو طُبّقَت حُدودُ الله ، لأصبحَ مُجَرَّد التَّفكير في شدَّة العقاب والفضيحة أمام النَّاس ، كافٍ وحدَه لِيَزجرَ النَّاس عن ارتكاب هذه الأفعال الشَّنيعة .

ولو سألتُكَ سيّدي الكريم : لِنَفرِضْ أنَّكَ أنتَ الذي سُرِقَ مالُكَ أو اغتُصِبَتْ زوجتُكَ أو ابنتُك ، لا قدَّر الله . فَمَا رأيُكَ في قطع يَد الجاني أو رَجْمه ؟

أغلبُ الظَّنّ أنَّك ستنسَى الشَّفقة والرَّحمة ، ولن ترضَى لهذا الجاني بأقلّ مِنْ هذه العقوبات ، حتَّى ولو أُعطيتَ بدَلَ ذلكَ كلَّ كنوز الدُّنيا !

ونحن نرى اليوم أنَّ الذين كانُوا يُطالِبُون بالأمس بإلغاء عقُوبة الإعدام مثلاً ، ما أن يُقتَل أحد أبنائهم ظُلمًا ويُمَثَّل بِجَسده ، حتَّى يُصبِحُوا لا يَرضَون بغير الإعدام شنقًا عقوبةً للقاتل .

كفانَا إذًا شفقةً مغلُوطة على الزَّوج الذي يَزني بزوجة جاره ، والسَّارق الذي يسرق عَرَقَ غيره ، ولنَتْرك الحكْمَ للَّه ، فهو أعلم بِمَا يصلحُ لنا .
avatar
سارة
الادارة العامة
الادارة العامة

انثى عدد المساهمات : 1528
تاريخ الميلاد : 13/03/1223
تاريخ التسجيل : 27/05/2010
العمر : 795

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى