منتدى البينة الاسلامي
السلام عليكم
أهلا بك أيها الزائر الكريم في منتدى البينة الاسلامي
نتمنى ان تكون في تمام الصحة والعافية
معنا تقضي اطيب الاوقات باذن الله
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» حيوانات العالم
الثلاثاء 3 يوليو 2018 - 8:11 من طرف Admin

» ودخلت العشر الأخيرة من رمضان
الإثنين 2 يوليو 2018 - 5:16 من طرف Admin

» أعمال العشر الأواخر من رمضان
الإثنين 2 يوليو 2018 - 5:10 من طرف Admin

» ارالة الشعر بالليز
الجمعة 30 مارس 2018 - 16:35 من طرف Admin

» Camtasia Studio 9.1.2 برنامج تصوير الشاشة فيديو وعمل الشروحات
الثلاثاء 27 مارس 2018 - 12:01 من طرف Admin

» برنامج Photoshine
السبت 24 مارس 2018 - 15:46 من طرف Admin

» حمود الخضر - أغنية كن أنت
الجمعة 23 مارس 2018 - 15:34 من طرف Admin

» هل الشاي مسموم بالمبيدات؟
الجمعة 23 مارس 2018 - 15:31 من طرف Admin

» عودة عيسى عليه السلام
الجمعة 23 مارس 2018 - 15:28 من طرف Admin

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية

تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط البينة على موقع حفض الصفحات

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتدى البينة الاسلامي على موقع حفض الصفحات

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 


.facebook
مشاركة
اوقات الصلاة بالرباط
لعبة الصور المتشابهة

منهج التعرف إلى الله والتعريف به

اذهب الى الأسفل

منهج التعرف إلى الله والتعريف به

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 12 ديسمبر 2010 - 15:19


بقلم : د. فريد الأنصاري(*)

مقدمة: قد لا يخطر على بال الداعية إلى اللهأن يسأل نفسه ـ وهو يدعو إلى الله ـ: «ما معنى الدعوة إلى الله»؟ هذا سؤال أساسوضروري؛ لأن بالجواب عنه ينضبط العمل الدعوي، ويستقيم. وأحسب أن إهمال تحقيق عقيدةالتوحيد في المجال الدعوي لدى بعض الحركات الإسلامية، بأقسامه الاستقرائية، كمابينه علماء السلف، من توحيد للربوبية، وتوحيد للألوهية، وتوحيد للأسماء والصفات،هو من أخطر المزالق التي تقود إلى الانحراف عن المنهج. فالجواب عن سؤال: «ماالدعوة إلى الله؟» لا يكون إلا بالانطلاق من عقيدة التوحيد أساساً.
إلا أن الجدير بالذكر أن الوقوف عند حدوداستظهار أقسام التوحيد، دون الغوص إلى عرض مقاصده، في منهج الدعوة إلى الله، هوأيضاً من أخطر المزالق التي تقود إلى الانحراف عن المنهج؛ إذ سريعاً ما يغيب عنالداعية ـ في غمرة الانخراط الاجتماعي ـ الهدف الأسمى الذي يتحرك من أجله، فتجفعباراته، وتنضب دعوته، فلا يبقى لها أثر في النفوس، ولا محبة في القلوب. وبيان ذلكـ بحول الله ـ هو كما يلي:
في التعريف القرآني بالله:
إن أول مقاصد القرآن الكريم هو تعريف الناسبالله، هذا الرب العظيم المتكلم بالقــرآن جـل جـلاله؛ ولذلك جاء تعريف الله لذاتهـ سبحانه ـ بأسمائه الحسنى؛ مباشرة بعد التنبيه على عظمة هــذا القرآن. كأنه قاللك: اعــرف القــرآن أولاً لتعرف الله. أوَ ليس هو ـ تعالى ـ المتكلم بالقرآن؟ قالـ جل جلاله ـ يصف ذاته: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هوالرحمن الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمنالمهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23)هو الله الخالق البارئالمصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم}[الحشر: 22 - 24] فاقرأ وتدبر.
لقد كان أوْلى بالإنسان أن يسأل نفسه: منأنت؟.. نعم! أنت هذا الإنسان الذي وجد نفسه ـ فجأة ـ في هذا الكون الفسيح، الممتدعرضه إلى حدود الغيب المجهول..!
كون عجيب وغريب لم يستطع الإنسان المعاصر رغمما اكتسب في مجال العلوم الكونية، والفلكية، والطبيعية من معارف أن يسبر أغوارهالرهيبة. بل ها هو ذا ما يزال واقفاً على شاطئ الكون ينظر في حيرة: أين ترسو حدودالضفة الأخرى؟
ثم تأتي الرسالة من رب الكون إلى هذاالإنسان.. وكان أوْلى به أن ينظر أول ما ينظر إلى مرسلها، ويسأل أول ما يسأل عنمصدرها حتى يتحقق منه يقيناً.
وإذن! دعني أبدأ لك بالدعــوى فأقول: إننا ـمـع الأسـف ـ لا نعرف الله!
نعم! إن وضع المسلمين اليوم يؤكد هذه الحقيقةالمؤسفة؛ ومن هنا وجب التعريف به.
أما المعرفة بالله فدرجات ومراتب، وما أحسبهذا الشرود الرهيب عن باب الله في هذا الزمان إلا دليلاً قاطعاً على الجهل العظيمالذي يكبل الناس أن يبحثوا عن ربهم الذي خلقهم؛ مما يصنفنا دون أدنى مراتب المعرفةبالله. تَرَاخَيْنَا عن سلوك طريق المعرفة به في الرخاء، فبقينا هَمَلاً، أو لَقضىفي مزبلة التاريخ! وبقيت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا دون وفاء؛فكان لها مفهومها المخالف في واقعنا: «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفْك فيالشدة»(1).
لو كان الناس يعرفون الله حقاً لرأيت الحالغير الحال؛ ولرأيتهم يسابقون في أداء حق الخالقية. وبيان ذلك بالمثال الآتي، ولامُشاحَّة في الأمثال:
إذا قدر الله أن يكون إنسان ما جاهلاًبوالديه ـ لسبب من الأسباب ـ كليهما أو أحدهما، لكنه نشأ محتضناً بحضن بعضالمحسنين، حتى شب وكبر ثم اكتشف الحقيقة: وهي أن هذا الذي رباه ليس أباه، وأن هذهالتي أرضعته ليست أمه التي ولدته؛ فإنه حينئذ يدخل في غربة شديدة، قد تذهب بعقلهكله، أو بعضه، إلا أن يعتصم بالله؛ والسبب في ذلك أنه فقد المعرفة بمن كان لهسبباً في الخروج من عالم العدم إلى عالم الوجود، ودخل في جهل عظيم بنسبه وأصله،وانقطعت بين يديه سلسلة سنده التي تربطه إلى شجرة المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه.وهنا ـ بصورة تلقائية لا إرادية ـ يدخل في سلسلة من البحث والأسئلة في كل مكان،وحيثما اتفق، يسأل سؤالاً واحداً: من أبي؟ أو من أمي؟ سؤالان يؤولان إلى معنى واحدهو: من أنا؟
إن البحث عن الذات فطرة في الإنسان، ولنتُعرف الذات إلا بمعرفة سبب وجودها؛ إذ المعلولات مرتبطة بالعلل وجوداً وعدماً،ومن ثَمَّ جهلاً ومعرفة. وهنا يذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، في قصة غضبهمن كثرة أسئلتهم المعنتة. أخرج الشيخان عن أنس ابن مالك ـ رضي الله عنه ـ في حديثطويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فيهم خطيباً، فكان مما قال: «منأحب أن يسأل عن شيء فليسـأل عنه! فـوالله لا تسـألوني عـن شـيء إلا أخبرتكم بـه،ما دمت في مقامي هذا! قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليهوسلم أن يقول: سلوني! فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مُدخلي يا رسولالله؟ قال النار! فقام عبد الله بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوكحذافة! قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني! سلوني! فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينابالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. قال: فسكترســول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمـر ذلك، ثم قال رسـول الله صلىالله عليه وسلم : أولى والذي نفسي بيده! لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً، فيعرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر!»(2).
فتأمل هذا المشهد: كيف لم يجرؤ أحد منالصحابة أن يسأل شيئاً؛ إذ رأوا أمارة الغضب عليه صلى الله عليه وسلم ، إلا رجلان:أحدهما سأل عن مدخله، فأجابه: النار، والعياذ بالله! والآخر انتهز الفرصة ـ رغمهول الموقف ـ فقال: «من أبي؟» فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم : «أبوك حذافة». إنالإحساس بانقطاع النسب عقدة اجتماعية، سببها الإحساس بالجهل بالذات اجتماعياً، لاوجودياً؛ ولذلك فقد جاء في رواية مسلم لهذا الحديث: «فأنشأ رجل من المسجد كانيُلاحَى فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله! من أبي؟» أي أنه كان إذا خاصمه أحد منالناس؛ سبه وعيره بنسبته إلى غير أبيه! فكان ذلك يحزنه ويعقده، فلم يستطع أن يكتمرغبته الجامحة في معرفة حقيقة نسبه، رغم ما شهد من رهبة اللحظة، وخوف الصحابة منغضب النبي صلى الله عليه وسلم ! وكم شهدنا من الناس من أنفق ما أنفق من الأموالوالأعمار من أجل اكتشاف والده، أو أي أحد من عشيرته، أو أي خيط مهما بعد أو ضعف منخيوط نسبه، أو من له صلة بذلك من الناس، عساه أن يصله بحقيقة نفسه، ولو توهماً!
غريب أمر هذا الإنسان! كيف يجهد لمعرفةحقيقته الاجتماعية، ولا يجهد ذلك الجهد وأقصى لمعرفة حقيقته الوجودية؟
إن الذي ينصت إلى خطاب الفطرة في نفسه يسمعنداء عميقاً يترجم الرغبة في معرفة من أسدى إليه نعمة الوجود. ألا ترى أن الإنسانمفطور على شكر من وصله بمعروف؟ بلى! إذن: لِمَ لا تسأل عمن خلقك؟ لا تسرع فيالإجابة! لا تقل لي: إنني أعرف الله؛ فأنا مسلم، فما هذا الذي نريد؟
أنت مخلوق. هذه حقيقة وجودية؛ فلا أحد مناجاء إلى الوجود بإرادته وقراره. من هنا كان الواجب الأول عليك أن تبحث عن اللهالخالق، بهذه الصفة، أعني صفة الخالقية؛ لأنها سبب مجيئك إلى الكون؛ وإلا كنتعدماً. ولذلك كان أول حق لله رب الناس على الناس وجب عليهم أداؤه ابتداء: هو حقالخالقية. أليسوا مخلوقين؟ بلى! إذن تعلق بذمة كل مخلوق أن يشكر الخالق، من حيث هوـ عز وجل ـ خلقه.
و «الخلق» مفهوم من أغرب مفاهيم القرآنالعظيم، ومن أكثرها استعصاء على الفهم والإدراك؛ فهو دال عموماً على: التكوينوالإنشاء؛ إبداعاً واختراعاً. أي أنه خلق الخلق على غير مثال سابق، فتأمل هذهالحقيقة أولاً: «على غير مثال سابق» إنه ـ تعالى ـ فَطَرَ خلقه، وأنشأهم ولم يسبقله في ذلك نموذج يحتــذى؛ فسبحانــه وتعالى مـن خالق عظيم! فلقـد كان ـ تعالى ـولم يكن قبله شيء، هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، جل شأنه، وتعالى جده،ولا إله غيره. تأمل كيف كان خلق الكون؟ كيف كان العدم، وما العدم؟ ثم كان الوجودبأمر {كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117]. ثــم تأمـل كيف كان خـلق آدم ـ عليه السلامـ: كيف صنع الله من الطين بشراً سوياً؟ يفيض جمالاً وحيوية. عجباً، عجباً! كيفكانت كتل الطين في جسم آدم تتحول إلى شرايين، وشعيرات دموية، وعظام ولحم طري؟عجباً، عجباً! كيف تحول الصلصال في محاجره ـ عليه السلام ـ بصراً يبرق، ويشع بنورالحياة، ويرى الألوان والأشياء، ويسيل بالدموع فرحاً وحزناً؟ عجباً، عجباً! كيفتَخَلَّقَ الترابُ في جمجمته دماغاً مائعاً مارجاً متكوناً من ملايين الخلايااللطيفة الحساسة، تجري شعيراتها بالدم الدفاق، وتختزن ملايين المعلومات والذكريات،وتتأهب للتفكير في أدق الخطرات والنظرات؟ عجباً، عجباً!
ثم تأمل: كيف جعل من الطين والماء نباتاًجميلاً، فصارت له أزهار تملأ الأنوف عبيراً أخاذاً، وثماراً تملأ القلوب بهجةوجمالاً؟ ذلك هو (الخلق) الذي تحدى به ربُّ العالمين كلَّ العالمين، فقال: { أفمنيخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17]، وقال ـ جل جلاله ـ: { يا أيها الناسضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولواجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالبوالمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 73 - 74] .
وهذه حقيقة قرآنية كبرى تترتب عليها أموركبيرة في حياة الإنسان، وجوداً وعدماً؛ ذلك أنه كلما نادى الله الناس في القرآنبالاستجابة لأمره التعبدي، ناداهم من حيث هو (خالقهم)، هكذا بهذه الصفة دائماً،وهو أمر مهم فيما نحن فيه من طريق المعرفة بالله. أي أنه ـ تعالى ـ يسألهم أداء حقالخالقية، هذه الصفة العظيمة لذاته ـ تعالى ـ التي بها كنا نحن الناس هنا في الأرضنتنفس الحياة.
تدبر قوله ـ تعالى ـ: { يا أيها الناس اعبدواربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوالله أندادا وأنتم تعلمون } [البقرة: 21 - 22].
وتدبر قوله ـ تعالى ـ: { ييا أيها الذيناتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراونساء } [النساء: 1]، وقوله ـ سبحانه ـ: { واتقوا الذي خلقكم والجبلةالأولين } [الشعراء: 184].
هاتان آيتان كلِّيتان من القرآن العظيم، تعلقالأمر فيهما بالعبادة والتقوى، وما في معناهما من الانتظام في سلك العابدين، وفلكالسائرين إلى الله رب العالمين، إثباتاً لحق الله من حيث هو خالق لشجرة البشر. ولايفتأ القرآن يُذَكِّر بهذه الحقيقة، باعتبارها مبدأ كلياً من مبادئ الدين والتدين،وأنها العلة الأولى منه؛ وذلك نحو قوله ـ تعالى ـ: { وما خلقت الجن والإنس إلاليعبدون ِ} [الذاريات: 56]. فكثيراً ما يردد الناس هذه الآية، ولكن قليلاً جداً مايتدبرونها. إنها آية كونية عظمى.. إنها مفتاح من مفاتيح فهم القرآن العظيم، وبابمن أبواب معرفة الربوبية العليا. تأمل قوله ـ تعالى ـ: {وما لكم لا ترجون للهوقارا (13) وقد خلقكم أطورارا} [نوح: 13 - 14]. انظر كيف ربط حقه ـ تعالى ـ علىعباده بمبدأ خلقهم أطواراً.. فكلما ازداد الكفار تعنتاً ازداد القرآن إفحاماً لهم،في بيان تفاصيل الخلق. فتلك حجة الله البالغة إجمالاً وتفصيلاً.
تدبر معي هذه الآيات واحدةً واحدة..قال ـ عز وجل ـ في حق الكافر الذي أنكر البعث على محمد صلى الله عليه وسلم ، فجاءبطحين عظام ميتة نخرة، ونفخ فيها فتطاير غبارها من يده، فاستهزأ متسائلاً بما حكاهعنه القرآن الكريم، قال: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنيُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ(78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَاأَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ صلى الله عليه وسلم (79) الَّذِيجَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ(80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنيَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْـخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} [يس: 78 - 81].
وتأمل كيف أن تلك كانت هي حجة موسى الذي صنعهالله على عينه، في رده على فرعون؛ إذ تعنت في إنكاره. قال ـ عز وجل ـ: {قَالَفَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍخَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 49 - 50] . إنه تعريف للربوبية ولحقوقها في عبارة منأوجز العبارات الربانية المسطورة في القرآن الكريم.. فتدبر.. {الَّذِي أَعْطَىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}.
وجاءت الحجة الربانية في بيان الأطوارالوجودية للإنسان في قوله ـ تعالى ـ أيضاً: {قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ صلى الله عليه وسلم ((18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُفَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُفَأَقْبَرَهُ(21) ثُمَّ إذَا شَاءَ أَنشَرَهُ (22) كَلاَّ لَـمَّا يَقْضِ مَاأَمَرَهُ}.
[عبس: 17 -23] .
وقال في سياق التمهيد لقصص بعض الأنبياء،ودحض حجج المنكرين للبعث: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَاالْـمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَـحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُخَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْـخَالِقِينَ ( 14) ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَـمَيِّتُونَ (15) ثُمَّإنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 12 - 16]. تأمل: ما بال هذاالبيان والتفصيل لقضية الخلق؛ لولا أنها قضية كونية كبرى، ينبني عليها ما ينبني منمصير وجودي في حياة الإنسان، هذا المخاطب بها ابتداء؟
وانظر إلى هذا السؤال الإنكاري الرهيب عنالوظيفة الوجودية للإنسان؛ إذ تمتع بمنة الخلق، ثم غفل عنها وتناساها.. انظر وتدبرجيداً، واقرأ، وأعد القراءة مرة، وأخرى؛ لعلك ترى.. قال ـ جل جلاله ـ: {أَيَحْسَبُالإنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ( 36 ) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى( 37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38) فَجَعَلَ مِنْهُالزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى ( 39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىأن يُحْيِيَ الْـمَوْتَى} [القيامة: 36 - 40].
وكما كانت تلك هي حجة القرآن في الدعوة إلىالعبادة، وإثبات حق الخالقية لله الواحد القهار؛ كانت هي عينها حجته في الدعوة إلىالتوحيد ونفي الحق الوهمي للشركاء، وذلك كما في قوله ـ تعالى ـ: {اللَّهُ الَّذِيخَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنشُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىعَمَّا يُشرِكُونَ} [الروم: 40]، وقال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] . وقال: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّيَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] . إنه قول ثقيل جداً، فتدبر.
ومن أثقل الآيات القرآنية، وأعمقها دلالة علىالموقع الوجودي للإنسان من الخلق قوله ـ تعالى ـ: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسَانِحِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إنَّا خَلَقْنَاالإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًابَصِيرًا (2) إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإمَّاكَفُورًا (3) إنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاًوَسَعِيرًا ( 4) إنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَاكَافُورًا} [الإنسان: 1 - 5]. إن «قضية الخلق» تمثل مفتاح فهم الربوبية، والمعنىالوجودي والوظيفي للإنسان. ولولا خشية الإطالة لبينت لك من خلال كل سور القرآنبدون استثناء أنها المبدأ الكلي الذي على أساسه خاطب الله الإنسان بكل أمر ونهي،بل إنها تمثل البنية الأساس لخطابه الذي عليه يتفرع كل شيء، مما قـرره في العقيدةوالشريعة علـى الســواء.
أي ظلام أشد من التصور العبثي للحياة:
إن هذا الحق بقدر ما هو متعلق بذمة الإنسانلربه الذي خلقه، فإنه يستفيد منه معنى عظيماً لوجوده. إن إحساسه بوجوب هذا الحقعليه يخرجه من التيه الوجودي الذي ضاعت فيه أفكار الكفار من العالمين. أو بعبارةقرآنية: يخرجه {مِِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [البقرة: 257]. وأي ظلام أشد منالتصور العبثي للحياة! أو كما قالوا: «إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع!» فبأينفسية يعيش الإنسان هذه الحياة، وهو يرى أنما غايتها إلى العدم المطلق والفناءالرهيب الذي ما بعده من حياة؟ فأي لذة يجدها في متعها وهو يعتقد أنها إلى زوالقريب؟ ذلك ما يقوده غالباً إلى الشره المتوحش في تناولها، أو إلى العزوف القَلِقثم الانتحار! ألا ما أشد وحشة الكفر والضلال! فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلي بهآخرون.
إن معرفة الله من ههنا تبدأ: الشعور بالفرحبه ـ تعالى ـ رباً خالقاً، والأنس بجماله ـ عز وجل ـ إلهاً رحيماً؛ فيمتلئ القلبشوقاً إليه تعالى، ثم تنشط الجوارح للسير إلى بابه الكريم، والعروج إلى رضاه، عبرمدارج السالكين، ومنازل السائرين. فيجد الإنسان الأنس كل الأنس كلما ازداد معرفةبالله جل جلاله.
وإنما مدارج المعرفة به ـ تعالى ـ أن ينطلقالمسلم من توحيد الربوبية الذي ينفتح بابه على العبد أول ما ينفتح من الشعور بحقالخالقية كما قررناه؛ ذلك أن الرب إنما هو رب من حيث هو مالك للمربوب؛ ذلك معناهالعام في اللغة وفي الشرع. قال ابن منظور: «الرَّبُّ: هو اللّه ـ عزّ وجل ـ هورَبُّ كلِّ شيءٍ: أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهورَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ الـمُلوكِ والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَيراللّهِ، إِلاّ بالإِضافة. ورَبَّهُ يَرُبُّهُ رَبّاً: مَلَكَه»(1).
فرب الدار: مالكها، وربة البيت: سيدته، وربالسيارة: صاحب السيادة عليها. إلا أن «المالكية» الحقة إنما تقع في الواقع على منيملك أصل الاختراع والإبداع، إنشاء وتطويراً؛ ذلك هو المالك الحقيقي للشيء، وذلكهو الله ـ سبحانه وتعالى ـ في ربوبيته للكون والخلق أجمعين. إنه مالك كل شيء خلقاًوإبداعاً، وزيادة ونقصاً، وإحياء وإماتة، وبدءاً وإعادة، وبعثاً ونشوراً. وما كانذلك كله ليكون لولا أنه هو ـ عز وجل ـ الذي خلق. ومن هنا كان أول وصف لذاته ـتعالى ـ نزل على محمد صلى الله عليه وسلم في بدء تعريفه بالله رباً: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق: 1] فهو الرب إذن، وأول ما وصفبه نفسه ـ تعالى ـ أنه {الَّذِي خَلَقَ}؛ لأن الربوبية إنما ترجع في حقيقتها إلىهذا المعنى كما بيناه آنفاً. ومن هنا اطراد هذا المبدأ في القرآن الكريم، حتى لاتكاد تخلو سورة منه، بدءاً بالفاتحة {الْـحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّالْعَالَمِين} [الفاتحة: 2]؛ حتى سورة الناس {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}[الناس: 1]. فالقرآن كله إذن قائم على ترسيخ مفهوم الرب في قلوب المربوبين، عسى أنتستجيب فطرهم لأداء حق الربوبية، بتوحيد الألوهية عبادةً لله رب العالمين.
وخلاصة الأمــر أن الخالـق مالك، وأن المالكرب؛ ذلك أنـه ـ تعالى ـ خلق فملك، وملك فرَبَّ. فهذه معانٍ بعضها يحيل على بعض،حتى كان لفظ (الرب) جماعها؛ فجمع بذلك كل أوصاف الكمال والجمال والجلال، منالأسماء الحسنى والصفات العلى. ولننصت الآن في ذلك إلى القرآن العظيم؛ حيث يقولالله ـ عز وجل ـ معرفاً بذاته ـ سبحانه ـ: {هُوَ اللَّهُ الْـخَالِقُ الْبَارِئُالْـمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْـحُسْنَى} [الحشر: 24]، فقوله ـ تعالى ـ: {هُوَاللَّهُ} جملة اسمية من مبتدأ وخبر، فيها معنى الجواب عن سؤال تقديره: سؤال السائلعن الرب (من هو؟)، فقال: {هُوَ اللَّهُ الْـخَالِقُ الْبَارِئُ الْـمُصَوِّرُ}، أي(الرب هو الله)؛ لأن الضمير (هو) لا بد أن يعود على معاد سابق، كما قال الله حكايةلحوار فرعون مع موسى وهارون: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى ( 49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 49 -50]. وكما في قوله ـ تعالى ـ من سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }.
[الإخلاص: 1] .
فكانت الإحالة ـ في نهاية الأمر ـ في تعريفالرب على (الأسماء الحسنى)، بعدما ذكر ـ عز وجل ـ بعضها؛ فقد جاءت الآية المذكورةمن ســورة الحشـر في سياق التعريف بالله ـ عز وجل ـ من خلال بعض أسمائه، وذلك قولهـ تعالى ـ: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَالِـمُ الْغَيْبِوَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُالَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الْـمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْـمُؤْمِنُ الْـمُهَيْمِنُالْعَزِيزُ الْـجَبَّارُ الْـمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23) هُوَ اللَّهُ الْـخَالِقُ الْبَارِئُ الْـمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُالْـحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُالْـحَكِيمُ} [الحشر: 22 - 24].
فالأسماء الحسنى هي مدخل التعريف بالله رباً،وهو توحيد الربوبية، كما في هذه الآيات، وهي كذلك مدخل التعريف به إلهاً، وهوتوحيد الألوهية، كما في قوله ـ عز وجل ـ من سورة الأعراف: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُالْـحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْـحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِسَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180].
ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليهوسلم في أسماء الله الحسنى: «إن لله تسعة وتسعين ـ أعطى مائة إلا واحداً ـمن أحصاها دخل الجنة. إنه وتر يحــب الوتر»(2) وفي رواية: «مـن حفظهـا دخـل الجـنة».
وزاد الترمذي والحاكم وغيرهما في الحديثتفصيلاً في عـد هذه الأسماء(3).
قلت: إن جماع توحيد الربوبية يؤول إلى إثباتالأسماء والصفات لله رب العالمين، إثبات إيمان وتسليم، لا ينحرف به تأويل، ولايزيغ به تعطيل، ولا يخــرمــه تشبيه أو تجسيم. فهو ـ تعالى ـ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِشَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]. فلا ينسب شيء من الخلقوالتدبير في الكون إلا له سبحانه، وحده دون سواه، ولا يعتقد شيء من النفع والضر،والعطاء والمنع، والحياة والموت يصل الكائنات من غيره تعالى. فكل الأسماء الحسنىوالصفات العلى دلت على تفرده ـ سبحانه ـ بمقتضياتها من الفعل والأمر، لا دخل لأحدمن خلقه في ذلك إلا بإذنه تعالى. تدبر ـ ثم تدبر ـ قوله ـ عز وجل ـ: {اللَّهُ لاإلَهَ إلاَّ هُوَ الْـحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَّهُمَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاَّبِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَبِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِوَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } [البقرة:255].
ذلك هو توحيد الله في ربوبيته أي فيمالكيته للكون وخالقيته له، وذلك هو المنطلق السليم، والأساس القويم لتوحيدالألوهية، كما ذكرنا، وبقدر تصفية ذلك يكون السير في طريق المعرفة الربانية،والرقي في مدارج الإيمان لأداء حق الخالقية؛ حيث إن توحيد العبودية، أو الألوهيةكله لا يخرج عن معنى السير إلى الله رغباً ورهباً، من حيث إنه ـ تعالى ـ موصوفبصفات الكمال والجمال. وبهذا السير تتحقق للعبد رتب المعرفة به تعالى، ويكتسبالجديد من منازل الإيمان، ومقامات الإحسان، سيراً في طريق عبادته ـ تعالى ـ علىنهج السنة النبوية؛ استجابة لقوله ـ تعالى ـ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىيَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
وهنا نعود إلى حديث الأسماء الحسنى؛ حيثيتبين أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من أحصاها ـ أو من حفظها ـ دخل الجنة»إنما المقصود بالإحصاء (الحفظ) عينه، كما هو في صحيح البخاري في «باب إن لله مائةاســم إلا واحداً»، وقد ذهـب أغلب العلماء ـ كما سترى بحول الله ـ إلى أن (الحفظ)هنا هو بمعنى حفظ المقتضيات من الأفعال والتصرفات، لا حفظ العبارات، كما في قولالنبي صلى الله عليه وسلم : «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»(1). والمقصودبحفظ المقتضيات: توقيع كل أعماله وتصرفاته بما تقتضيه دلالاتها من حدود والتزامات.
فمثلاً إذا انطلق العبد في طلب رزقه، واكتسابقوته فإنما يفعل ذلك باسمه ـ تعالى ـ: (الرزاق)، ومعناه أن يعتقد ألا رزق يصل إليهإلا ما كتب الله له، ثم إنه لا مانع له منه وقد كتبه الله له، ويكون لهذا ـ إن صحاعتقاده فيه ـ أثره الإيماني، يجتهد كل يوم في تحصيله، فلا يساوم في دينه مقابلمال، عطاءً أو حرماناً؛ إذ وجد في معرفته باسم الله الرزاق أنه لا مانع لما أعطىولا معطي لما منع. وهو قصد من مقاصد حفظ (الاسم) من أسمائه الحسنى: الثبات على ذلكأمام الفتن، لا تزحزحه المضايقات ولا المناوشات، ولا التهديدات، ولا تذهب بهالوساوس كل مذهب، بل يسكن إلى عقيدته مطمئناً، آمناً من كل مكروه، إلا ما كان منقدر الله، موقناً أن الله لا يريد به إلا خيراً. فذلك أمر المؤمن الذي ليس إلالمؤمن، والمؤمن أمره كله له خير كما في الحديث الصحيح؛ حيث قال ـ عليه الصلاةوالسلام ـ: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير. و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن:إن أصابته سرَّاء شكر؛ وكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء صبر؛ فكان خيراً له»(2).
إنها عقيدة السلام والأنس الجميل بالله.وبقدر ما تسكن النفس إلى اسمه ـ تعالى ـ (الرزاق) يذوق العبد من معنى (الحفظ)جمالاً حميداً، وأنساً جديداً، فتعلو القدم بذلك في مراتب العبودية، وتوحيدالألوهية مقامات أخرى. والربانيون في (حفظ) كل اسم من أسمائه الحسنى ـ بهذا المعنىـ مراتب ومنازل. وبذلك يمتلئ القلب حباً لجمال أنواره وجلال إفضاله تعالى، فيزدادشوقاً إلى السير في طريق المعرفة الربانية التي كلما ذاق منها العبد جديداً ازدادأنساً وشوقاً، فلا تكون العبادة ـ بالنسبة إليه حينئذ ـ إلا أنساً، وراحة، ولذة فيطريق الله؛ إذ تنشط الجوارح للتقرب إليه ـ تعالى ـ بالأوقات والصلوات، والصياموالصدقات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات، والدخول في سائر أعمال البرالصالحات. ولك في أسماء الله الحسنى ـ من كل ذلك ـ مسالك تقربك إلى الله سبحانه،وتوصلك إليه.
هذا هو الفهم الأليق بحديث الأسماء الحسنى،وهو ما ذهب إليه أغلب شراح الحديث عند تعرضهم لذلك؛ ومن هنا قال ابن حجر ـ رحمهالله ـ في الفتح: «وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدهاالفاجر، وإنما المراد العمل بها. وقال أبو نعيم الأصبهاني: الإحصاء المذكور فيالحديث ليس هو التعداد، وإنما هو العمل، والتعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها»(3).
وقال أيضا: (وهو أن يعلم معنى كلٍّ فيالصيغة، ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيهمعنى من معاني الأسماء، وتعرف خواص بعضها. قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال: وتمامذلك أن يتوجه إلى الله ـ تعالى ـ من العمل الظاهـر والباطـن؛ بما يقتضيه كل اســممـن الأسماء)(4).
ذلك هو الشأن بالنسبة لسائر أسمائهالحسنى: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن ...إلخ. فكلها(حسنى) بصيغة التفضيل المطلقة هذه، أي لا شيء أحسن منها؛ فهي تبث النور والسلاموالجمال في طريق السالكين إليه ـ تعالى ـ بحفظها، وتملأ قلوبهم إيماناً وإحساناً.كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إن لله ـ تعالى ـ آنية من أهلالأرض، وآنيــة ربكـم قلـوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقهـا»(5).
وههنا لنا لطيفة من لطائف الأسماء الحسنى،نذكرها بحول الله؛ رفعاً للغبش الذي قد يدور بخلد بعضهم، أو مما قد يلقيه الشيطانفي خاطر العبد الذي لم يذق بعدُ جمال بعض الأسماء، من مثل أسمائه ـ تعالى ـالجبار، والمتكبر، والقهار). إن أول شيء يجب التذكير به أن هذه الأسماء ـ كسائرأسمائه تعالى ـ قد وصفها الله ـ عز وجل ـ في القرآن بأنها (الحسنى) على التفضيل،وفي هذا لطائف كثيرة؛ فبالنسبة إلى خصوص معاني التكبر والكبرياء والقهر والجبروتمن أسمائه ـ تعالى ـ فهي مما يشين الإنسان، ويلقي به في دركات الذم والنقص؛ لو اتصفبها، وتخلَّق بأحوالها. لكنها في ذات الله ـ تعالى ـ جلال وجمال، ونور وكمال، فهي(الحسنى). نعم قد ورد الوعيد في حق من اتصف بها من الناس، كما في الحديث القدسي:«قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحداً منهماقذفته في النار»(1).
وبيان ذلك أن الله ـ عز وجل ـ قصر ذلك الوصفعليه تعالى، ولم يأذن لأحد من خلقه في اكتسابه، وهو ـ عز وجل ـ وحده يليق به ذلكلجلال قدره، وعظمة ملكه وسلطانه؛ فهو الملك الحق العدل، لا ينافي شيء من ذلك عدلهورحمته، بل إن وصف القهر والجبر والكبرياء في ذاته مصدر رحمة لعباده المؤمنين،وهذا من لطائف المسألة؛ حيث إن المؤمن حينما ينتسب إلى الله عبداً، فإنه يكتسب مننسبة العبودية عزة ومنعة؛ إذ هو محمي من الظلمة والفجار؛ باسم الله الجبار القهار.وأنت حينما ترى في الأرض عبداً جاهلاً متكبراً؛ تدرك بسرعة أنه ينتحل ما ليس له، كيفيصدق تجبره وكبرياؤه، وقد قال الله فيه: {وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28] ؟ فكبرياؤه تلك إنما هي صورة من ورق! إنها مرض نفسي، فهي تعبير عن الشعوربالنقص إزاء كمال حاوله فلم يصله: من الناحية الاجتماعية، أو المالية، أوالسلطانية، أو أي جهة أخرى. فقد يكون الإنسان غنياً ذا ثروة طائلة، فإذا تكبر دلذلك على نقص من جهة أخرى، ربما ظن أن ماله يغنيه من كل وجه، فلما أدرك أنه لا يسدله حقيقة الكمال استكبر فطغى وتجبر وظلم! إنك أيها العبد المنتسب ـ بخضوعكوعبوديتك ـ إلى كبرياء الله الحق تشعر أن الكبرياء مما ينتحله الخلق كذب وافتراء،بل مرض يستحق صاحبه الحسرة والإشفاق! تماماً كما تشفق على من ألقى بيده إلىالتهلكة بالكفر والضلال، على غرار قوله ـ تعالى ـ: {يَا حَسْرَةً عَلَىالْعِبَادِ} فالجاهل قد يرى الجبار من الناس أسداً يزأر في وجوه الخلق، وعبد اللهإنما يراه أسداً من ورق، أو دمية (كرتونية) تحكي لعبة الأسد. والمتكبر من الخلق هوأول من يشعر ـ في نفسه ـ بضعفه، وعجزه، وفشله في أن يندمج في المجتمع، ويتواضعأمام الخلق. وما أصــدق قـول الشــاعـــر في هـــذا:
ملأى السنابل تنحني بتواضع
والفارغات رؤوسهن شوامخ
وأنت إذ ترى ما لا يرى الجهلة تستريح.. فقدعرفت أنما الكبرياء والجبروت لله الواحد القهار؛ فكانت بذلك أسماؤه الحسنى: الجباروالمتكبر والقهار، ونحوها من أسماء الجلال برداً وسلاماً على قلوب عباده الصالحينتبعث النور والجمال.. ولا عجب؛ فهي من (الأسماء الحسنى) حقاً وصدقاً. و {قُلْصَدَقَ اللَّهُ} [آل عمران: 95]، والله خير الصادقين.
---------------
(*) رئيس قسمالدراسات الإسلامية، جامعة المولى إسماعيل، مكناس المغرب.
(1) رواه الحاكم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي، وعبد بنحميد. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم: 2961 نشر المكتب الإسلامي.بيروت.
(2) متفق عليه.
(1) لسان العرب، مادة: «ربب». طبعة دار صادر بيروت.
(2) متفق عليه.
(3) رواه الترمذي والحاكم في المستدرك.
(1) رواه أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح.
(2) رواه أحمد، ح/ 18460.
(3) فتح الباري: 11/ 226، نشر دار المعرفة بيروت: 1379هـ تحقيقمحمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب.
(4) فتح الباري: 11/ 227.
(5) رواه الطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير:2163.
(1) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وصححه الألباني في صحيحالجامع الصغير: 4311.
(1) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. وصححه الألباني في صحيحالجامع الصغير: 4311.
avatar
Admin
Admin

عدد المساهمات : 1110
تاريخ التسجيل : 10/05/2010

http://albayina.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى